المغرب دولة الوفاء للشراكات وصلابة الدفاع عن السيادة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
منذ قرون، تشكلت شخصية الدولة المغربية على أساس معادلة دقيقة تجمع بين الانفتاح والثبات، وبين الوفاء بالالتزامات الدولية والحزم في الدفاع عن المصالح العليا للدولة، لذلك استطاع المغرب أن يبني صورته كشريك موثوق في محيطه الإقليمي والدولي، وفي الوقت نفسه أن يرسم خطوطاً حمراء عندما يتعلق الأمر بسيادته ووحدته الترابية ومقدساته الوطنية.
هذه المعادلة ليست وليدة اللحظة، وإنما هي امتداد لتاريخ طويل من بناء الدولة المغربية، التي جعلت من الاستقرار والشرعية والاستمرارية ركائز لسياستها الداخلية والخارجية.
ففي علاقاته الدولية، يحرص المغرب على احترام تعهداته الثنائية ومتعددة الأطراف، ويشارك بفاعلية في جهود حفظ الأمن والاستقرار الإقليمي، كما يلتزم بالاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والبيئية التي وقع عليها، وهو ما أكسبه سمعة الشريك المسؤول لدى العديد من القوى الدولية والمؤسسات الإقليمية.
غير أن هذا الانفتاح لا يعني القبول بأي مساس بما يعتبره المغرب من ثوابته الوطنية، وعلى رأسها المؤسسة الملكية، والوحدة الوطنية، ووحدة التراب، وهي ثوابت يؤكدها الدستور المغربي والخطاب الرسمي باستمرار.
عندما تتحول السيادة إلى خط أحمر
في الفكر السياسي المغربي، لا توجد مفاضلة بين التنمية والسيادة، فهما مساران متكاملان. ولذلك فإن أي قضية تمس الحدود أو الوحدة الترابية تُعامل باعتبارها قضية سيادية وليست مجرد ملف سياسي قابل للمساومة.
ومن هذا المنطلق، يعتبر المغرب أن قضية الصحراء تمثل أولوية وطنية في سياسته الخارجية، ويدافع عن مبادرته للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الذي يقترحه لتسوية النزاع تحت رعاية الأمم المتحدة.
وفي المقابل، لا تزال أطراف أخرى تتمسك برؤى مختلفة حول هذا النزاع، بينما يستمر المسار الأممي في البحث عن حل سياسي متوافق عليه، وهذه القضية تبقى موضوعاً للنقاش الدبلوماسي والقانوني على المستوى الدولي.
بين الثقة بالنفس والدبلوماسية الهادئة
أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة هو الانتقال من ردود الفعل إلى المبادرة.
فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن مواقفه، أصبح المغرب يوظف أدوات الاقتصاد والاستثمار والتعاون الأمني والدبلوماسية الدينية والثقافية لتعزيز حضوره في إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وهو ما جعل عدداً متزايداً من الدول يعيد تقييم مواقفه تجاه عدد من الملفات المرتبطة بالمغرب.
وتقوم هذه المقاربة على فكرة مفادها أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها العسكرية، وإنما أيضاً بوزنها الاقتصادي، واستقرارها الداخلي، ومصداقيتها السياسية، وشبكة شراكاتها الدولية.
بين الملفات التاريخية والواقع الدبلوماسي
وفي النقاش العمومي المغربي، تثار أحياناً ملفات ذات بعد تاريخي تتعلق بمدن أو أقاليم يعتبرها بعض المغاربة جزءاً من الامتداد التاريخي للمغرب، مثل سبتة ومليلية، غير أن هاتين المدينتين تخضعان حالياً للإدارة الإسبانية، بينما يعتبرهما المغرب مدينتين محتلتين، في حين تؤكد إسبانيا أنهما جزء من أراضيها، ويظل هذا الملف قائماً في إطار تباين المواقف السياسية بين البلدين، مع استمرار التعاون الثنائي في مجالات عديدة.
وفيما يتعلق بما يشار إليه أحياناً بـ”الصحراء الشرقية”، فإن هذا المصطلح يُستخدم في بعض الأدبيات التاريخية للإشارة إلى مناطق أُلحقت بالجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، إلا أن الحدود بين المغرب والجزائر منظمة باتفاقيات قائمة، ويبقى أي نقاش حول هذه المسألة ذا طابع تاريخي أو أكاديمي أكثر منه جزءاً من المطالبات الرسمية الحالية.
القوة ليست في رفع الصوت
التجارب الدولية تثبت أن الدول التي تحقق أهدافها ليست بالضرورة الأكثر صخباً، بل الأكثر قدرة على الجمع بين الشرعية القانونية، والقوة الاقتصادية، والتماسك الداخلي، والدبلوماسية الفاعلة.
والمغرب، وفق رؤيته الرسمية، يسعى إلى ترسيخ هذا النموذج؛ فهو يفضل الاستثمار في التنمية، وتعزيز موقعه كشريك إقليمي، مع التأكيد في الوقت نفسه أن القضايا المرتبطة بسيادته ووحدته الترابية ليست محل مساومة.
مخرجات هذا المقال ، إن مكانة المغرب الإقليمية والدولية لا تقوم فقط على تاريخه العريق، وإنما أيضاً على قدرته على الموازنة بين الوفاء بالتزاماته الدولية والدفاع عن مصالحه الوطنية، فالدولة التي تحترم شركاءها وتحافظ على مصداقيتها تكتسب احترام المجتمع الدولي، لكنها في المقابل ترى أن حماية سيادتها ووحدتها الترابية تمثل جوهر مسؤوليتها تجاه شعبها ومؤسساتها.
ويبقى مستقبل المنطقة رهيناً بتغليب الحوار والدبلوماسية واحترام القانون الدولي، بما يضمن الأمن والاستقرار ويجنب المنطقة مزيداً من التوترات، مع الحفاظ على حق كل دولة في الدفاع عن مواقفها عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية.



