الانتخابات المغربية.. عندما يعلو ضجيج السياسة على صوت البرامج

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود المشهد السياسي المغربي إلى إيقاعه الانتخابي المعتاد: تحركات مكثفة للمرشحين، سباق محموم نحو التزكيات، انتقالات من حزب إلى آخر، وتراشق سياسي وإعلامي تتسع دائرته كلما اقترب موعد الاقتراع.
وهذه الظواهر ليست كلها سلبية، كما أنها ليست كلها صحية، فالانتخابات بطبيعتها لحظة تنافس سياسي مشروع، ومن الطبيعي أن ترتفع خلالها حدة الخطاب، وأن تنتقد المعارضة الأغلبية، وأن يدافع كل حزب عن حصيلته وبرنامجه ومرشحيه، بل إن وجود الاختلاف والتنافس والنقد دليل، في حد ذاته، على حيوية المجال السياسي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنافس من تنافس على الأفكار والبرامج إلى تنافس على الأشخاص والمواقع والمصالح.
ومن أكثر الظواهر إثارة للجدل ما يعرف بـ”الترحال الحزبي”، خصوصاً عندما يحدث قبيل الانتخابات، فالانتقال من حزب إلى آخر قد يكون أحياناً نتيجة خلاف سياسي أو اختلاف في التوجه، وهو أمر يمكن فهمه في الحياة السياسية، لكنه يفقد مشروعيته الأخلاقية عندما يصبح مجرد وسيلة للحصول على تزكية انتخابية أو ضمان موقع سياسي، وقد سجلت الفترة الحالية بالفعل تصاعداً في انتقال بعض المنتخبين والأعيان بين الأحزاب استعداداً لاستحقاقات 2026.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: هل المرشح يبحث عن الحزب الذي يؤمن بمبادئه، أم عن الحزب الذي يضمن له فرصة أكبر للفوز؟
السؤال أكثر أهمية من مجرد الانتقال الحزبي، لأنه يمس جوهر الثقة السياسية. فالناخب لا يصوت فقط لشخص، وإنما يفترض أن يصوت لمشروع وتصور وبرنامج والتزام سياسي، وكلما أصبح تغيير اللون الحزبي ظاهرة متكررة دون تفسير سياسي مقنع، ازدادت احتمالات تعميق عزوف المواطنين عن المشاركة.
أما التراشقات والاتهامات المتبادلة بين الزعامات السياسية، فهي تحتاج بدورها إلى التمييز بين النقد السياسي المسؤول والتجريح السياسي، فمن حق كل حزب أن ينتقد الحكومة أو المعارضة، ومن حق كل مرشح أن يكشف اختلالات منافسه، لكن بشرط تقديم الحجج والمعطيات والبدائل، لا الاكتفاء بالاتهام والتشهير وتبادل الخطابات الانفعالية.
فالانتخابات ليست معركة لتصفية الحسابات، وإنما امتحان ديمقراطي لاختيار من سيحمل مسؤولية التشريع والرقابة والمساهمة في صناعة السياسات العمومية.
والأخطر أن يتحول المهرجان الانتخابي إلى موسم للوعود غير الواقعية، أو إلى منافسة في استعراض النفوذ والقدرة المالية والعلاقات الشخصية، بينما تتراجع البرامج الحقيقية المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والعدالة الاجتماعية والتنمية الترابية.
هل هذه ظاهرة طبيعية؟ نعم، ولكن بشرط.
إن ارتفاع حرارة التنافس السياسي قبيل الانتخابات ظاهرة طبيعية في الديمقراطيات، بل ضرورية لإثارة النقاش وتحفيز المواطنين على الاختيار، غير أن طبيعية الظاهرة لا تعني أن كل ممارساتها سليمة.
فالمعيار الحقيقي ليس مقدار الضجيج السياسي، وإنما نوعية التنافس: هل يتنافس السياسيون على البرامج أم على المواقع؟ هل يناقشون الحصيلة أم يتبادلون الاتهامات؟ هل يقدمون حلولاً واقعية أم يبيعون الأوهام؟ وهل ينظرون إلى المواطن باعتباره صاحب حق في الاختيار أم مجرد صوت انتخابي؟
ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون مناسبة للانتقال من سياسة الأشخاص إلى سياسة المشاريع، ومن الولاءات الانتخابية إلى الالتزامات السياسية، ومن الخطاب الانفعالي إلى النقاش العمومي المسؤول.
إن الوطن لا يخسر بسبب اختلاف الأحزاب، بل يخسر عندما يصبح الاختلاف السياسي سبباً في إضعاف الثقة في المؤسسات. والمواطن لا يرفض السياسة في حد ذاتها، وإنما قد يرفض سياسة لا يرى فيها انعكاساً حقيقياً لمشاكله وانتظاراته.
لذلك، فإن الرهان الأكبر في انتخابات 2026 ليس فقط: من سيفوز؟ وإنما أيضاً: كيف سيفوز؟ وبأي برنامج؟ وبأي خطاب؟ وبأي أخلاق سياسية؟
فالانتخابات الناجحة ليست التي تملأ الشوارع بالمهرجانات، ولا التي ترفع أصوات الخصوم، وإنما التي تجعل المواطن يشعر بأن صوته قادر فعلاً على صناعة الفرق.
وفي النهاية، يبقى الناخب هو الحكم الحقيقي. ومن حقه أن يسأل كل مرشح، بعيداً عن الشعارات والتراشقات: ماذا ستفعل إذا فزت؟ وكيف ستفعل؟ وماذا قدمت قبل أن تطلب مني أن أصوت لك؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تتقدم على كل الأسئلة الأخرى، لأن الديمقراطية لا تقاس بكثرة المرشحين ولا بحدة الصراع، وإنما بقدرة الانتخابات على إنتاج تمثيلية سياسية أكثر كفاءة ومصداقية، وأكثر التصاقاً بمصالح الوطن والمواطن.
مخرجات هذا المقال ، إن الظاهرة الانتخابية في حد ذاتها طبيعية، لكن الترحال الحزبي والانزلاق إلى التجريح وتبادل الاتهامات يصبحان غير صحيين عندما يحلان محل البرامج والكفاءة والمساءلة، والاختبار الحقيقي للأحزاب والمرشحين في 2026 هو قدرتهم على إعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية: خدمة المواطن وتدبير الشأن العام، لا مجرد الوصول إلى المقاعد.



