“الحر بالغمزة والعبد بالدبزة” عندما تتحول الحكمة الشعبية إلى رسالة في ترسيخ المسؤولية وربطها بالمحاسبة

ذا عمرو عمرو العرباوي/مدير النشر
تختزن الذاكرة الشعبية المغربية رصيدًا هائلًا من الأمثال التي لم تُصغَ عبثًا، وإنما جاءت نتيجة تراكم طويل من التجارب الإنسانية والاجتماعية والسياسية، ومن بين أكثر هذه الأمثال تداولًا قول المغاربة: “الحر بالغمزة والعبد بالدبزة”، وهو مثل قد يبدو لأول وهلة قاسيًا في ألفاظه، لكنه يحمل في عمقه رسالة أخلاقية وسلوكية تتجاوز معناه الحرفي، لتلامس جوهر المسؤولية والانضباط والوعي.
ومن المهم التأكيد أن لفظ “العبد” في هذا المثل هو جزء من صياغة تراثية تعود إلى سياق تاريخي قديم، ولا ينبغي فهمه اليوم على أنه توصيف لفئة من الناس أو انتقاص من كرامة أي إنسان، وإنما باعتباره تصويرًا مجازيًا لشخص لا يستجيب للنصح إلا بعد وقوع الجزاء أو العقوبة، في مقابل من يتحلى بالوعي والمسؤولية فيكتفي بالإشارة والتنبيه.
بين “الغمزة” و”الدبزة” فلسفة المسؤولية
فالإنسان الحر في فكره وضميره وأخلاقه يكفيه التلميح حتى يراجع نفسه، ويكفيه التنبيه حتى يصحح خطأه، لأن رقيه الأخلاقي يجعله يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.
أما من غابت عنه ثقافة المسؤولية، فلا يتحرك إلا تحت ضغط العقوبات أو الخوف من المساءلة، وهو ما يرمز إليه المثل بكلمة “الدبزة”، أي الردع بعد أن تفشل وسائل النصح والإرشاد.
وهنا تتجلى حكمة المثل في أنه لا يميز بين الناس بحسب مكانتهم الاجتماعية، وإنما بحسب مستوى الوعي وتحمل المسؤولية.
عندما يصبح المثل رسالة إلى كل مسؤول
إذا أسقطنا هذا المثل على تدبير الشأن العام، فإن رسالته تصبح أكثر وضوحًا.
فالدولة الحديثة لا تقوم على كثرة العقوبات بقدر ما تقوم على ترسيخ ثقافة المسؤولية الذاتية، بحيث يؤدي كل مسؤول واجبه بإخلاص دون انتظار لجان التفتيش أو تقارير الرقابة أو تدخل القضاء.
فالوزير الذي يراقب أداء قطاعه باستمرار، والوالي أو العامل الذي ينزل إلى الميدان، ورئيس الجماعة الذي يجعل مصلحة المواطنين فوق كل اعتبار، ورجل السلطة الذي يطبق القانون بعدل، والموظف الذي يؤدي واجبه بإخلاص، والقاضي الذي يحتكم إلى ضميره والقانون، ورجل الأمن الذي يحمي الحقوق والحريات، جميعهم يجسدون معنى “الحر بالغمزة”، لأن ضميرهم المهني هو أول جهاز للرقابة.
أما حين يغيب الضمير المهني، فإن الدولة تضطر إلى اللجوء إلى أجهزة التفتيش، والمجالس الرقابية، والقضاء، وآليات المحاسبة، لأن الإصلاح لا يمكن أن يظل رهين حسن النيات.
الدستور المغربي ربط المسؤولية بالمحاسبة
لقد جعل دستور المملكة المغربية من مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد الأعمدة الأساسية للحكامة الجيدة.
وهذا المبدأ لا يعني فقط معاقبة المخالفين، وإنما يهدف قبل كل شيء إلى ترسيخ ثقافة الوقاية، والشفافية، والنزاهة، واحترام المال العام، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
فالمسؤول الحقيقي لا ينتظر مساءلة المؤسسات الرقابية حتى يصحح أخطاءه، بل يبادر بنفسه إلى تقييم الأداء، وتصحيح الاختلالات، والاستماع إلى المواطنين.
خدمة الوطن ليست شعارًا
إن خدمة الوطن لا تتحقق بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الموسمية، وإنما تتحقق عندما يشعر المواطن بأن الإدارة تحترم كرامته، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن الخدمات تقدم بالكفاءة نفسها دون تمييز أو محسوبية.
فالاستثمار يحتاج إلى إدارة فعالة، والتنمية تحتاج إلى مسؤول نزيه، والعدالة تحتاج إلى استقلالية وشفافية، والإعلام يحتاج إلى المصداقية، جوالسياسة تحتاج إلى الوفاء بالوعود.
وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة تحديات التنمية وجذب الاستثمار وتعزيز ثقة المواطنين والمؤسسات.
الرسالة إلى المسؤولين
إن هذا المثل الشعبي، إذا أُعيدت قراءته بروح العصر، يوجه رسالة واضحة إلى كل من يتحمل مسؤولية، مهما كان موقعه:
ليس المطلوب انتظار التعليمات في كل صغيرة وكبيرة، ولا انتظار لجان المراقبة حتى يبدأ الإصلاح، بل المطلوب أن يكون الضمير المهني هو الرقيب الأول.
فالنجاح الحقيقي للإدارة الحديثة يقاس بمدى قدرتها على العمل وفق القانون والشفافية من تلقاء نفسها، لا تحت ضغط العقوبات.
رسالة إلى المواطن أيضًا
وفي المقابل، فإن المواطن شريك في بناء الدولة.
فاحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء الواجبات، والإبلاغ عن الفساد، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة، كلها صور للمواطنة المسؤولة.
فلا يمكن المطالبة بإدارة نزيهة دون مواطن يحترم القانون، كما لا يمكن بناء مجتمع متقدم دون تعاون متبادل بين الدولة والمجتمع.
مخرجات هذا المقال ، مما لاشك فيه أن الأمثال الشعبية ليست مجرد كلمات تتردد على الألسنة، بل هي مدارس مختصرة في التربية والسلوك وإدارة الحياة. ومثل “الحر بالغمزة والعبد بالدبزة”، إذا فُهم في سياقه المجازي والتاريخي، يذكرنا بأن الأمم المتقدمة لا تُبنى بكثرة العقوبات، وإنما ببناء الإنسان المسؤول، الذي يحركه ضميره قبل أن تحركه العقوبة.
فالرسالة التي يحتاجها المغرب اليوم ليست أن ننتظر المحاسبة، وإنما أن نجعل النزاهة والشفافية والإخلاص في خدمة الوطن والمواطن والمقيم ثقافة راسخة في كل مؤسسة، وأن يدرك كل من يتحمل مسؤولية أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الصالح العام هي أعلى درجات الوطنية، وأن الرقابة الحقيقية تبدأ من ضمير الإنسان قبل أن تبدأ من نصوص القانون.



