اخبار منوعة

في هذا العالم المعاناة دائرة مغلقة لا متسع فيها لغيرها

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

منذ أن وطئت قدم الإنسان هذه الأرض، لم تكن الحياة طريقاً مستقيماً مفروشاً بالطمأنينة، بل كانت سلسلة متواصلة من الاختبارات والتحديات والصراعات، ولعل أكثر ما يختصر هذه الحقيقة تلك العبارة العميقة: “في هذا العالم المعاناة دائرة مغلقة لا متسع فيها لغيرها” إنها ليست دعوة إلى التشاؤم، وإنما توصيف فلسفي ونفسي واجتماعي لواقع يعيشه الإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة.

المعاناة ليست استثناءً في حياة البشر، بل تكاد تكون القاعدة التي تتخذ أشكالاً متعددة، تختلف في صورها وتتفق في جوهرها، فهناك من يعاني الفقر، وآخر يرهقه المرض، وثالث يطارده القلق، ورابع يعيش عزلة خانقة رغم ازدحام الناس من حوله، وخامس يمتلك المال والنفوذ لكنه يفتقد الطمأنينة، وهكذا تتغير الوجوه، لكن الألم يبقى القاسم المشترك.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل دوائر متشابكة من الضغوط، فالتطور التكنولوجي الذي كان يفترض أن يخفف أعباء الحياة، خلق بدوره أشكالاً جديدة من القلق والتوتر والمقارنة الاجتماعية والعزلة النفسية، وأصبحت سرعة الحياة أكبر من قدرة الإنسان على استيعابها، حتى بات كثيرون يشعرون بأنهم يركضون باستمرار دون أن يصلوا إلى نهاية تمنحهم السكينة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الفرد، بل تمتد إلى المجتمعات بأكملها، فالحروب، والأزمات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية، والهجرة القسرية، والبطالة، وغلاء المعيشة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، كلها عوامل تجعل الألم حالة جماعية لا تخص شعباً دون آخر، فالعالم اليوم يعيش أزمات متداخلة، تجعل الإنسان يشعر أحياناً بأنه محاصر من كل الاتجاهات.

ومن الناحية النفسية، تكمن خطورة المعاناة في أنها قد تتحول إلى دائرة مغلقة إذا استسلم لها الإنسان، فالألم يولد الخوف، والخوف يولد القلق، والقلق يولد الإحباط، والإحباط يقود إلى الانسحاب من الحياة، فيعود الإنسان إلى النقطة التي بدأ منها، وكأنه يدور داخل حلقة لا نهاية لها، هذه الدائرة المغلقة لا يكسرها إلا الوعي والإرادة والقدرة على إعادة قراءة الواقع من منظور مختلف.

غير أن القول بأن العالم لا متسع فيه إلا للمعاناة لا ينبغي أن يفهم على أنه حكم نهائي على الحياة، فالتاريخ الإنساني يقدم وجهاً آخر لا يقل حضوراً عن الألم، وهو قدرة الإنسان المدهشة على المقاومة والتكيف والنهوض بعد السقوط، فكم من شعوب خرجت من تحت الأنقاض لتبني حضارات جديدة، وكم من أفراد حولوا محنهم إلى قصص نجاح ملهمة، وكم من مريض صنع من مرضه رسالة أمل لغيره.

إن المعاناة ليست مجرد عذاب، بل كثيراً ما تكون مدرسة تصقل الشخصية وتكشف معادن البشر، ففي لحظات الشدة تظهر قيم الصبر، والتضامن، والإيثار، والرحمة، ويكتشف الإنسان طاقات لم يكن يعلم بوجودها داخله، لذلك فإن الألم، على قسوته، قد يتحول إلى قوة دافعة نحو النضج إذا أُحسن التعامل معه.

لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا يشعر كثيرون بأن دائرة المعاناة مغلقة؟ لأن الإنسان بطبيعته يتذكر الجراح أكثر مما يتذكر النعم، ويركز على ما ينقصه أكثر مما يملكه، ويقارن حياته بما يراه عند الآخرين، بينما تخفي تلك المقارنات معاناة لا تظهر للعيان، فلكل إنسان معركته الخاصة التي لا يعرف تفاصيلها إلا هو.

كما أن غياب العدالة الاجتماعية، وضعف تكافؤ الفرص، وانتشار الفساد، وتراجع منظومات القيم، كلها عوامل تزيد من شعور الإنسان بأن الحياة أصبحت أكثر قسوة. وعندما يشعر المواطن بأن جهده لا يكافأ، وأن القانون لا يطبق على الجميع، وأن مستقبله رهين ظروف لا يملك تغييرها، تتحول المعاناة من تجربة فردية إلى إحساس جماعي بالاختناق.

ومع ذلك، فإن أخطر أشكال المعاناة ليست تلك التي يفرضها الواقع، بل تلك التي يفقد معها الإنسان الأمل، فالأمل ليس إنكاراً للألم، وإنما هو القدرة على رؤية نافذة في جدار يبدو مغلقاً. ولذلك فإن المجتمعات التي تستثمر في التعليم، والعدالة، والصحة، والثقافة، وكرامة الإنسان، لا تلغي المعاناة، لكنها تمنح الناس أدوات لمواجهتها وعدم الاستسلام لها.

إن الحياة لن تخلو من الألم، لأن ذلك جزء من طبيعتها الإنسانية، لكن تحويلها إلى دائرة مغلقة هو ما ينبغي مقاومته. فالمعاناة تصبح سجناً عندما نستسلم لها، وتصبح درساً عندما نفهمها، وتتحول إلى قوة عندما نستثمرها لبناء مستقبل أفضل.

مخرجات هذا المقال، يمكن القول أن المعاناة قد تبدو أحياناً وكأنها تملأ العالم حتى لا تترك مكاناً لغيرها، لكن الحقيقة أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على كسر هذه الدائرة بالإيمان والعمل والمعرفة والتضامن والأمل، فبين الألم والأمل مساحة يصنعها الوعي، وبين السقوط والنهوض قرار يتخذه الإنسان كل يوم، ولذلك، فإن العالم ليس دائرة مغلقة من المعاناة بقدر ما هو ساحة مفتوحة لاختبار قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى معنى، والمحنة إلى بداية جديدة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى