القانون 34.21 هل يتحول العقار من «عنق زجاجة» إلى محرك للاستثمار والسكن؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تبسيط المساطر، تمديد آجال إنجاز التجزئات، ومعالجة المشاريع المتعثرة إصلاح تشريعي يراهن على تحرير العقار دون تحرير الفوضى
لم يعد العقار في المغرب مجرد وعاء للاستثمار، بل أصبح إحدى أهم حلقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، فكلما تعقدت مساطر تعبئته وتجهيزه، ارتفعت كلفة الاستثمار، وتأخر إنجاز المشاريع، وانكمش العرض العقاري والسكني.
من هنا تكتسي أهمية القانون 34.21 الذي عدّل وتمم القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، في محاولة لمعالجة عدد من الإكراهات التي أفرزها التطبيق العملي للقانون القديم.
من «ثلاث سنوات» إلى آجال أكثر واقعية
من أبرز المستجدات اعتماد آجال مختلفة لإنجاز أشغال التجهيز بحسب مساحة التجزئة، بدل إخضاع المشاريع لمنطق زمني موحد.
فالمشاريع التي لا تتجاوز 20 هكتاراً تحتفظ بأجل ثلاث سنوات، بينما تمتد الآجال تدريجياً إلى خمس وسبع وعشر سنوات، وصولاً إلى 15 سنة بالنسبة للتجزئات التي تتجاوز 400 هكتار.
والرسالة واضحة: لا يمكن قياس مشروع صغير بمشروع عمراني يمتد على مئات الهكتارات.
هذا التعديل قد يمنح المستثمرين، خصوصاً أصحاب المشاريع الكبرى، قدرة أكبر على التخطيط والتمويل والتنفيذ دون أن يصبح عامل الزمن وحده سبباً في تعثر المشروع.
المستثمر لا ينبغي أن يعاقب على ما لا يتحكم فيه
من المستجدات المهمة كذلك إقرار إمكانية توقيف سريان أجل الإذن بالتجزئة في حالات التوقف الاضطراري الناتج عن ظروف خارجة عن إرادة صاحب المشروع.
وهو مقتضى يلامس إحدى المشكلات العملية التي واجهها المستثمرون: كيف يمكن مطالبة صاحب مشروع باحترام أجل قانوني في الوقت الذي تكون فيه الأشغال متوقفة بسبب ظروف لا يد له فيها؟
هنا يحاول القانون تحقيق توازن بين صرامة القانون وواقعية الاستثمار.
تبسيط المساطر لأن الزمن له ثمن
في الاستثمار العقاري، التأخير ليس مجرد مسألة إدارية؛ إنه تكلفة مالية حقيقية.
كل تأخر في الترخيص أو التجهيز أو التسلم يعني تجميداً للرأسمال، وارتفاعاً في كلفة التمويل، وتأخيراً في التسويق، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان الجدوى الاقتصادية للمشروع.
لذلك فإن تبسيط المساطر وتقليص الآجال وتوضيح العلاقة بين المستثمر والإدارة يشكلان جزءاً أساسياً من فلسفة القانون الجديد.
معالجة التجزئات المتعثرة وغير القانونية
لم يغفل القانون واقعاً عمرانياً قائماً، يتمثل في وجود تجزئات لم تستكمل تجهيزاتها أو أنجزت بشكل تدريجي، إضافة إلى بعض التجزئات غير القانونية.
ومن خلال تأطير آليات لإعادة الهيكلة في الحالات التي يسمح بها القانون، تبرز فلسفة عملية تقوم على قاعدة:
لا شرعنة للفوضى، ولا تجاهل لواقع عمراني قائم.
فالهدف هو إدماج ما يمكن إدماجه في المنظومة القانونية والتعميرية، وفق شروط تحمي السلامة والتجهيز والمصلحة العامة.
العقار المجهز هو مفتاح زيادة العرض
المعضلة العقارية في المغرب ليست دائماً نقص الأراضي، وإنما تكمن في قدرة المنظومة على تحويل العقار الخام إلى عقار مجهز وقابل للبناء والاستثمار.
وهنا يمكن أن يكون للقانون 34.21 أثر اقتصادي مهم:
مساطر أبسط → مشاريع أسرع → عقار مجهز أكثر → قابلية أكبر للبناء → عرض سكني أوسع.
غير أن هذا الأثر لن يتحقق بالقانون وحده، إذ يظل مرتبطاً بسرعة تنزيل النصوص التنظيمية، وفعالية الإدارة، وجودة وثائق التعمير، وتنسيق مختلف المتدخلين.
التبسيط لا يعني التفريط
المهم في الإصلاح أنه لا يجعل تشجيع الاستثمار مرادفاً لإلغاء الضوابط.
فالتجزئة العقارية ليست مجرد تقسيم أرض إلى قطع للبيع، وإنما هي طرق وشبكات ومرافق ومساحات وتجهيزات وحقوق للملك العام والجماعات.
لذلك فإن الرهان الحقيقي هو تحقيق معادلة دقيقة:
مستثمر أكثر حرية في الحركة، وإدارة أكثر سرعة ووضوحاً، مقابل احترام صارم لقواعد التعمير والمصلحة العامة.
الخلاصة: تحرير العقار من الجمود
القانون 34.21 يمكن أن يشكل خطوة مهمة في تحديث الإطار القانوني للاستثمار العقاري بالمغرب، لأنه يحاول الانتقال من منطق المساطر الجامدة إلى منطق أكثر مرونة وواقعية.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في النصوص وحدها، وإنما في ما ستنتجه على أرض الواقع.
فإذا تحولت المرونة القانونية إلى مشاريع أسرع، وإذا أصبح العقار المجهز متاحاً بكلفة معقولة، وإذا اختُصرت المساطر فعلاً، فإن القانون سيكون قد ساهم في معالجة إحدى حلقات أزمة العرض العقاري والسكني.
أما إذا بقيت البيروقراطية وتعدد المتدخلين وتعقيد المساطر حاضراً، فإن أفضل النصوص قد تتحول إلى مجرد إصلاح على الورق.
مخرجات هذا البحث ، المطلوب اليوم ليس فقط تحرير الاستثمار العقاري، وإنما تحرير العقار نفسه من الجمود، مع إبقاء التعمير تحت سقف الحكامة والمصلحة العامة.
وهذه هي المعادلة التي سيُقاس بها نجاح القانون 34.21:
أن نبني أكثر، وبسرعة أكبر، وبكلفة أقل، ولكن أيضاً أن نبني بشكل منظم ومستدام يخدم المواطن والاستثمار والمجال في آن واحد.



