هل الغش في الامتحانات ضحية لنظام تربوي عقيم أم ضحية لتبريرات واهية؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في كل موسم امتحانات، يتجدد الجدل حول ظاهرة الغش، وتتكرر الأصوات التي تحاول تفسيرها بكونها نتيجة مباشرة لـ”نظام تربوي عقيم” أو “منظومة تعليمية فاشلة”، ويذهب بعض المدافعين عن هذا الطرح إلى اعتبار التلميذ أو الطالب الغشاش مجرد ضحية لظروف فرضت عليه هذا السلوك، وكأن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تنتقل بالكامل من الفرد إلى المؤسسة.
غير أن هذا الطرح يثير أسئلة جوهرية: هل تفسير الظاهرة يعني تبريرها؟ وهل يمكن اعتبار الغش سلوكاً مشروعاً بمجرد وجود اختلالات في النظام التعليمي؟ أم أن مثل هذه المبررات قد تتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى رسالة تشجع على قبول الغش باعتباره وسيلة طبيعية لتحقيق النجاح؟
تفسير الظاهرة لا يعني تبريرها
من الناحية العلمية، لا شك أن جودة المنظومة التعليمية تؤثر في مستوى التحصيل الدراسي، وأن الاكتظاظ وضعف التأطير أو المناهج غير الملائمة قد تدفع بعض المتعلمين إلى الشعور بالعجز أو الإحباط، لكن تفسير الأسباب الاجتماعية أو التربوية لانتشار الغش يختلف تماماً عن تبرير الفعل نفسه.
فالتمييز بين “فهم الدوافع” و”تبرئة السلوك” يعد أمراً أساسياً في أي نقاش مسؤول، إذ يمكن الاعتراف بوجود اختلالات في النظام التربوي مع الإقرار في الوقت ذاته بأن الغش يظل مخالفة أخلاقية وقانونية تضر بالفرد والمجتمع.
المسؤولية الفردية لا تسقط
الأنظمة التعليمية في مختلف دول العالم تواجه تحديات متفاوتة، ومع ذلك يختار ملايين الطلبة الاجتهاد والاعتماد على قدراتهم الذاتية، وهذا يدل على أن القرار النهائي بالغش يبقى في جانب كبير منه قراراً شخصياً تتحكم فيه منظومة القيم والضمير والمسؤولية.
ولو تم اعتماد منطق أن كل خلل مؤسساتي يبرر السلوك المخالف، لأصبح بالإمكان تبرير أشكال متعددة من الفساد والتحايل والرشوة والسرقة بدعوى وجود بيئة غير مثالية، وهو منطق يقوض أسس دولة القانون والمساءلة.
عندما تتحول المبررات إلى ثقافة
الخطر الحقيقي لا يكمن في تحليل أسباب الغش، بل في الخطاب الذي يقدم الغشاش باعتباره بطلاً أو ضحية تستحق التعاطف المطلق، متجاهلاً حقوق الطلبة الذين بذلوا جهداً حقيقياً للوصول إلى النجاح بطرق مشروعة.
ومع مرور الوقت، قد يترسخ لدى بعض الشباب اعتقاد مفاده أن الذكاء لا يكمن في التحصيل والاجتهاد، وإنما في القدرة على التحايل والإفلات من الرقابة، وهنا يتحول الغش من تصرف فردي إلى ثقافة مجتمعية تهدد مبدأ تكافؤ الفرص.
آثار تتجاوز قاعة الامتحان
الغش لا يقتصر ضرره على نتيجة امتحان أو نقطة مدرسية، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فالطالب الذي يحصل على شهادة دون استحقاق قد يصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو مسؤولاً يفتقر إلى الكفاءة الحقيقية، مما ينعكس على جودة الخدمات والثقة في المؤسسات.
كما يؤدي انتشار الغش إلى إضعاف قيمة الشهادات، وإحباط المجتهدين، وإشاعة شعور بأن النجاح لا يحتاج إلى العمل وإنما إلى وسائل ملتوية.
إصلاح التعليم ضرورة لكن محاربة الغش واجب أيضاً
إن إصلاح المنظومة التعليمية يظل هدفاً مشروعاً وضرورياً، ويشمل تحديث المناهج وتحسين ظروف التدريس وتطوير أساليب التقويم ودعم المتعلمين نفسياً وبيداغوجياً. غير أن هذا الإصلاح لا ينبغي أن يكون ذريعة للتسامح مع الغش أو التقليل من خطورته.
فالتربية على النزاهة والأمانة لا تقل أهمية عن تدريس العلوم واللغات، لأنها تشكل أساس بناء المواطن المسؤول القادر على خدمة وطنه بكفاءة واستحقاق.
مخرجات هذا المقال ، إن الادعاء بأن الغشاش مجرد ضحية لنظام تربوي عقيم يحمل جزءاً من الحقيقة إذا كان المقصود به تفسير بعض الدوافع والظروف، لكنه يتحول إلى خطاب مضلل عندما يستخدم لنفي المسؤولية الأخلاقية أو لتبرير السلوك المخالف.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ من محورين متلازمين: منظومة تعليمية أكثر جودة وعدلاً، ومجتمع يرسخ ثقافة الاستحقاق ويؤمن بأن النجاح الذي يُبنى على الغش ليس نجاحاً، بل خسارة مؤجلة للفرد وللوطن معاً.



