الوعاء العقاري بين التعقيد الإداري وتحفظ المحافظ العقاري: هل أصبحت البيروقراطية عائقاً أمام استثمارات مغاربة العالم؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في الوقت الذي تراهن فيه المملكة المغربية على تعزيز جاذبيتها الاستثمارية واستقطاب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، يبرز ملف الوعاء العقاري باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، خاصة عندما يتعلق الأمر باستثمارات مغاربة العالم الذين يطمحون إلى توظيف مدخراتهم في مشاريع عقارية أو صناعية أو سياحية داخل وطنهم الأم.
ورغم المجهودات المبذولة لتحديث الإدارة ورقمنة الخدمات، فإن عدداً من المستثمرين ما زالوا يواجهون عراقيل ترتبط بتشابك المساطر الإدارية، وتعدد المتدخلين، والتحفظ الذي يبديه بعض المحافظين العقاريين في معالجة الملفات ذات الطبيعة القانونية المعقدة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على وتيرة الاستثمار والثقة في المنظومة العقارية.
الوعاء العقاري أساس كل استثمار
يشكل العقار الركيزة الأساسية لأي مشروع استثماري، إذ لا يمكن الحديث عن إنشاء مصنع أو مركب سياحي أو مشروع سكني أو تجاري دون وجود وضعية عقارية واضحة ومستقرة، لذلك فإن سلامة الرسوم العقارية، وتحديد الملكية بشكل دقيق، وتسريع إجراءات التحفيظ والتقييد والتشطيب، تعد عناصر أساسية لضمان الأمن القانوني للمستثمر.
غير أن الواقع يكشف أحياناً عن ملفات عالقة بسبب نزاعات قديمة، أو وثائق متناقضة، أو تعرضات قضائية، أو أخطاء مادية وإدارية تحتاج إلى معالجة دقيقة، وهو ما يفرض على المحافظ العقاري مسؤولية قانونية كبيرة.
لماذا يتحفظ المحافظ العقاري؟
يعمل المحافظ العقاري في إطار قانوني يجعله مسؤولاً عن صحة الإجراءات التي يعتمدها، ولذلك فإن أي قرار متسرع قد يترتب عنه نزاع قضائي أو مساس بحقوق الغير.
ومن هذا المنطلق، قد يفضل المحافظ في بعض الحالات التريث وطلب وثائق إضافية أو انتظار صدور أحكام قضائية نهائية قبل اتخاذ القرار، خصوصاً إذا تعلق الأمر بملفات يشوبها الغموض أو تتداخل فيها حقوق متعددة.
غير أن هذا التحفظ، رغم مبرراته القانونية، قد يتحول عملياً إلى مصدر بطء شديد إذا غابت آليات الحسم السريع أو لم يتم التواصل بوضوح مع أصحاب الملفات بشأن أسباب التأخير والإجراءات المطلوبة لاستكمالها.
مغاربة العالم بين الحماس للاستثمار وصدمة الإجراءات
يمثل مغاربة العالم قوة اقتصادية مهمة، إذ يضخون سنوياً مليارات الدراهم في الاقتصاد الوطني من خلال التحويلات المالية والاستثمارات المباشرة.
لكن عدداً منهم يصطدم بإجراءات معقدة عند محاولة تسوية وضعية عقارات موروثة أو اقتناء أراضٍ أو تسجيل حقوق عينية أو مباشرة مشاريع استثمارية، وهو ما يؤدي أحياناً إلى تجميد الاستثمارات أو العدول عنها بسبب طول المساطر وعدم وضوح المآلات.
كما أن المستثمر المقيم بالخارج يواجه تحدياً إضافياً يتمثل في صعوبة الحضور المتكرر إلى المغرب، مما يجعل أي تأخير إداري مكلفاً من حيث الوقت والمال والفرص الضائعة.
بين حماية الحقوق وتشجيع الاستثمار
إن تحقيق التوازن بين حماية الملكية العقارية وضمان حقوق جميع الأطراف من جهة، وتشجيع الاستثمار وتسريع معالجة الملفات من جهة أخرى، يعد تحدياً حقيقياً أمام الإدارة العقارية.
فالمطلوب ليس التساهل في تطبيق القانون، بل توفير آليات أكثر فعالية لاتخاذ القرار، وتحديد آجال معقولة لدراسة الملفات، وتعليل القرارات بشكل واضح، وتبسيط المساطر كلما كان ذلك ممكناً، مع تعزيز التنسيق بين مختلف الإدارات والجهات القضائية.
الرقمنة وحدها لا تكفي
شهد قطاع المحافظة العقارية خلال السنوات الأخيرة تطوراً في مجال الرقمنة، إلا أن التحول الرقمي لا يحقق أهدافه الكاملة إذا بقيت بعض الإجراءات الجوهرية رهينة التعقيد الإداري أو التفسير المتشدد للنصوص القانونية.
فالرقمنة الحقيقية ينبغي أن ترافقها إعادة هندسة للمساطر، وتبسيط للإجراءات، وتوحيد للاجتهادات الإدارية، وإرساء ثقافة تقوم على خدمة المرتفق مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات القانونية.
الحاجة إلى مقاربة جديدة
إن تشجيع استثمارات مغاربة العالم يقتضي توفير بيئة عقارية مستقرة وشفافة وسريعة الاستجابة، تقوم على الوضوح والتواصل والنجاعة.
كما أن إحداث خلايا متخصصة لمعالجة الملفات الاستثمارية الكبرى، واعتماد مساطر مبسطة للملفات التي لا تثير نزاعات جوهرية، وتكثيف التكوين القانوني والتقني للأطر المكلفة بالبت في الملفات، يمكن أن يسهم في تقليص آجال الانتظار وتعزيز الثقة في الإدارة.
مخرجات هذا البحث ، يبقى الوعاء العقاري حجر الزاوية في أي سياسة استثمارية ناجحة، غير أن استمرار التعقيدات الإدارية والتحفظ المفرط في بعض الملفات قد يحولان دون استغلال الإمكانات الاقتصادية التي يوفرها مغاربة العالم، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين حماية الحقوق أو تشجيع الاستثمار، بل في بناء منظومة عقارية تحقق الأمرين معاً، عبر إدارة حديثة، شفافة، سريعة، ومسؤولة، تجعل من الأمن القانوني رافعة للتنمية لا عائقاً أمامها.



