اخبار منوعة

لن يعد مقبولاً التساهل مع التخريب الرقمي والميداني بين حرية التعبير وحماية الأمن العام

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

تكسير السيارات وتخريب الممتلكات في بوسكورة وبرشيد نموذجاً: هل حان وقت الحزم القانوني؟

في السنوات الأخيرة، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة مقلقة تتمثل في توثيق أعمال العنف والتخريب ونشرها على نطاق واسع، سواء عبر البث المباشر أو مقاطع الفيديو القصيرة أو الصور، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول حدود حرية النشر، ومدى تأثير هذه الممارسات على الأمن العام واستقرار المجتمع.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتحول بعض المدن إلى مسرح لأعمال تكسير السيارات وتخريب الممتلكات العامة والخاصة، كما حدث في عدد من الوقائع التي أثارت الرأي العام في مناطق مثل بوسكورة وبرشيد، حيث انتشرت صور ومقاطع توثق الاعتداء على ممتلكات المواطنين، وهو ما خلق شعوراً بالخوف وعدم الاطمئنان لدى السكان.

الأمن العام مسؤولية جماعية

يشكل الأمن العام أحد أهم ركائز الدولة الحديثة، إذ لا يمكن الحديث عن الاستثمار أو التنمية أو جودة الحياة في ظل شعور المواطنين بانعدام الأمان على أرواحهم وممتلكاتهم.

وعندما تتعرض مئات السيارات للتكسير أو التخريب في ليلة واحدة أو خلال فترة زمنية قصيرة، فإن الأمر لا يتعلق بخسائر مادية فحسب، بل يمتد إلى زعزعة الثقة في الإحساس بالأمن، ويؤثر على صورة المدينة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

مواقع التواصل الاجتماعي بين التوثيق والترويج غير المباشر

أصبحت المنصات الرقمية سلاحاً ذا حدين؛ فمن جهة تسهم في كشف الجرائم وتمكين السلطات من الاستفادة من الأدلة الرقمية، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى وسيلة تمنح بعض مرتكبي أعمال التخريب نوعاً من الشهرة أو التأثير أو التقليد، خصوصاً عندما يتم تداول المحتوى بشكل واسع دون مراعاة لآثاره المجتمعية.

كما أن إعادة نشر مشاهد العنف بصورة متكررة قد تخلق حالة من التطبيع النفسي مع هذه السلوكيات لدى بعض الفئات، خاصة الشباب والقاصرين، وهو ما يستدعي نقاشاً جدياً حول مسؤولية جميع الفاعلين في الفضاء الرقمي.

لماذا تنتشر مثل هذه الظواهر؟

يمكن تفسير انتشار أعمال تخريب الممتلكات بعدة عوامل متداخلة، منها:

-ضعف الوعي بخطورة الاعتداء على الملكية الخاصة والعامة.
-البحث عن الشهرة أو إثارة الجدل عبر المنصات الرقمية.
-التأثر بسلوكيات العنف المنتشرة على بعض الشبكات الاجتماعية.
-وجود نزعات انتقامية أو سلوكيات إجرامية فردية أو جماعية.
-الاعتقاد الخاطئ بإمكانية الإفلات من العقاب.

غير أن هذه العوامل لا يمكن اعتبارها مبرراً قانونياً أو أخلاقياً لممارسة التخريب، لأن حماية الممتلكات من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها دولة القانون.

ضرورة التعامل بحزم مع كل أشكال التخريب

أمام تصاعد هذه الظواهر، يبرز مطلب تشديد تطبيق القانون على كل من يثبت تورطه في أعمال التخريب أو التحريض عليها أو المساهمة في نشرها بطريقة تشجع على تكرارها إذا كان ذلك يندرج ضمن أفعال يجرمها القانون.

فالحزم القانوني لا يستهدف التضييق على حرية التعبير، وإنما يهدف إلى حماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الحق في الأمن والملكية والسلامة العامة.

كما أن سرعة التدخل الأمني والقضائي، والاستفادة من وسائل المراقبة الحديثة والأدلة الرقمية، من شأنهما تعزيز الردع العام والخاص، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن الاعتداء على ممتلكات الغير لن يمر دون مساءلة.

الوقاية قبل العقاب

ورغم أهمية العقوبات، فإن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي. فالمعالجة المستدامة تقتضي الاستثمار في التربية على المواطنة، وتعزيز الثقافة القانونية، وترسيخ قيم احترام الملك العام والخاص داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية.

كما ينبغي تشجيع المبادرات المدنية الرامية إلى حماية الأحياء السكنية، وتطوير آليات التبليغ عن الأفعال الإجرامية، وتعزيز التنسيق بين السلطات المحلية والأجهزة الأمنية والمجتمع المدني.

مخرجات هذا المقال ، إن تكسير السيارات وتخريب الممتلكات ليس مجرد سلوك منحرف عابر، بل يمثل اعتداءً مباشراً على الإحساس الجماعي بالأمن والاستقرار، ويهدد الثقة التي يحتاجها أي مجتمع لتحقيق التنمية.

ومن ثم، فإن المرحلة الراهنة تقتضي الجمع بين التطبيق الصارم للقانون، والتوعية المجتمعية، والتربية على احترام الحقوق، حتى لا تتحول مشاهد العنف والتخريب إلى واقع اعتيادي أو مادة للتداول والتفاخر عبر المنصات الرقمية، بل إلى أفعال مرفوضة مجتمعياً وقانونياً، تواجه بالحزم والردع في إطار سيادة القانون وضمان الحقوق والحريات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى