اخبار منوعة

موقع قانون الإثراء غير المشروع في الأنظمة الرأسمالية بين مقتضيات الحكامة ومقاومة لوبيات المال والنفوذ

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
في خضم التحولات الاقتصادية العالمية، لم يعد النقاش حول قانون الإثراء غير المشروع ترفاً قانونياً أو شعاراً سياسياً، بل أضحى معياراً حقيقياً لقياس نزاهة الأنظمة الرأسمالية وقدرتها على التوفيق بين منطق السوق ومتطلبات العدالة والشفافية. فالرأسمالية، رغم ارتباطها بحرية التملك وتراكم الثروة، لا يمكن أن تستقيم دون آليات قانونية صارمة تمنع تحول السلطة إلى وسيلة للاغتناء غير المشروع.
الرأسمالية حين تحتاج إلى القانون
قامت الرأسمالية الحديثة على مبدأ تحرير المبادرة الفردية، لكنها سرعان ما أدركت أن السوق، إذا تُرك دون ضوابط، يُنتج الاحتكار والفساد وتغوّل النفوذ المالي، من هنا برزت تشريعات محاربة الفساد، وعلى رأسها قانون الإثراء غير المشروع، باعتباره أداة لضبط العلاقة بين المسؤول العمومي والمال العام، وليس آلية لمعاداة الثروة أو تجريم النجاح الاقتصادي.
في الأنظمة الرأسمالية الديمقراطية، يُنظر إلى هذا القانون كجزء من الرأسمالية المنظَّمة التي تحمي السوق من الانحراف، وتحصّن الدولة من اختراق المصالح الخاصة.
أنماط التجاوب: من التفعيل إلى التعطيل
يختلف تعامل الأنظمة الرأسمالية مع قانون الإثراء غير المشروع باختلاف طبيعة بنيتها السياسية والمؤسساتية:
أولاً: التجاوب الجاد والمؤسساتي
في الدول ذات الديمقراطيات الراسخة، يتم إدماج القانون ضمن منظومة متكاملة تشمل:
-التصريح الإجباري بالممتلكات
-استقلال السلطة القضائية
-شفافية الصفقات العمومية
-حماية المبلّغين عن الفساد
في هذه السياقات، لا يُعد تفعيل القانون تهديداً للاستثمار، بل ضمانة له، إذ يخلق مناخاً تنافسياً سليماً ويحدّ من اقتصاد الريع.
ثانياً: التجاوب الشكلي أو الانتقائي
في أنظمة رأسمالية هجينة، غالباً ما يتم سنّ القانون تحت ضغط الرأي العام أو المؤسسات الدولية، لكنه يُفرَّغ من مضمونه عبر:
-تعقيد مساطر الإثبات
-تقييد تحريك المتابعة
-غياب الإرادة السياسية
فيتحول القانون إلى نص معطّل، حضوره تشريعي وغيابه عملي.
ثالثاً: التجاوب المقاوم
حين تتقاطع السياسة بالمال داخل شبكات مغلقة، يصبح قانون الإثراء غير المشروع خطاً أحمر، هنا يُصوَّر كتهديد للاستقرار أو كأداة لتصفية الحسابات، وتُشنّ ضده حملات منظمة هدفها تعطيله أو دفنه نهائياً.
مفارقة الرأسمالية: الحاجة والخوف
تكمن المفارقة الكبرى في أن الرأسمالية تحتاج هذا القانون لضمان استدامتها، لكنها في الوقت نفسه تُنتج لوبيات تخشى تفعيله. فالفرق شاسع بين:
-رأسمالية تنافسية مؤسساتية ترى في الشفافية قوة
-ورأسمالية ريعية تعتبر القانون تهديداً مباشراً لمصالحها
ومن هنا يتحدد مصير النصوص القانونية: إما أن تتحول إلى أدوات إصلاح حقيقية، أو تبقى رهينة الحسابات الضيقة.
مخرجات هذا المقال ، إن قانون الإثراء غير المشروع ليس معركة ضد الثروة، بل ضد تحويل السلطة إلى وسيلة للاغتناء، وهو ليس عائقاً أمام الرأسمالية، بل شرط من شروط عقلنتها، فكلما كانت الدولة قوية بمؤسساتها، مستقلة بقضائها، شفافة في تدبيرها، كان هذا القانون قابلاً للتنزيل، أما حين تضعف الدولة أمام نفوذ المال، فإن أول ضحايا ذلك هو القانون نفسه، وفي زمن تتصاعد فيه مطالب الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يبقى السؤال الجوهري:
هل نريد رأسمالية السوق أم رأسمالية النفوذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى