اخبار منوعة

تضارب المصالح في المغرب: من يحمي المصلحة العامة عندما تتقاطع السلطة مع المصالح الخاصة؟

ذا عمرو العرباوي/مدير النشر

في تدبير الشأن العام، لا يكفي أن تكون القرارات قانونية في ظاهرها، بل ينبغي أيضاً أن تكون شفافة، ونزيهة، وبعيدة عن كل تأثير محتمل للمصالح الشخصية، فالثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطابات والوعود وحدها، وإنما بقدرة المسؤولين على إثبات أن المصلحة العامة تظل فوق كل اعتبار.

من هنا تبرز قضية تضارب المصالح باعتبارها إحدى القضايا الجوهرية المرتبطة بالحكامة الجيدة، وحماية المال العام، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

عندما تتقاطع المسؤولية مع المصلحة الخاصة

يقصد بتضارب المصالح الحالة التي تتداخل فيها مصلحة شخصية أو مالية أو تجارية أو عائلية مع الواجبات المرتبطة بمسؤولية عمومية، بما قد يؤثر في حياد القرار واستقلاليته، أو يثير شكوكاً مشروعة بشأن نزاهة اتخاذه.

ولا يعني ذلك أن كل مسؤول يمتلك مشروعاً أو تربطه علاقات اجتماعية أو عائلية يكون بالضرورة في وضعية مخالفة للقانون، فالمعيار الحقيقي هو مدى تأثير هذه المصالح في ممارسة المسؤولية، ومدى احترام واجبات الإفصاح والحياد والامتناع عن المشاركة في القرارات التي قد تتعارض معها.

لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول المسؤولية من تكليف لخدمة المواطنين إلى وسيلة محتملة لتسهيل المصالح الخاصة، أو عندما تصبح العلاقات والنفوذ عوامل مؤثرة في توزيع الفرص واتخاذ القرارات.

المغرب والقانون: هل يكفي وجود النصوص؟

يتوفر المغرب على إطار دستوري وقانوني يتضمن مقتضيات ترمي إلى محاربة الفساد، وتعزيز النزاهة، ومراقبة المال العام، والتصريح بالممتلكات، وتنظيم بعض حالات التنافي بين المسؤوليات العمومية والأنشطة الخاصة.

غير أن وجود النصوص القانونية لا ينهي النقاش، لأن السؤال الأهم يتعلق بمدى وضوح القواعد وتكاملها وفعاليتها في الواقع العملي.

فهل تتوفر جميع فئات المسؤولين على قواعد واضحة تحدد متى يجب التصريح بالمصالح الخاصة؟ وهل توجد آليات فعالة لمنع المشاركة في القرارات التي قد يستفيد منها المسؤول بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وهل يستطيع المواطن الاطلاع، في حدود ما يسمح به القانون، على كيفية اتخاذ القرارات وتدبير الصفقات والممتلكات العمومية؟

هذه الأسئلة لا تعني توجيه اتهامات إلى أشخاص أو مؤسسات، بل تعكس الحاجة إلى منظومة وقائية تجعل النزاهة ممارسة مؤسساتية، وتمنع تضارب المصالح قبل أن يتحول إلى مخالفة أو شبهة تمس الثقة العامة.

بين تضارب المصالح والفساد: ضرورة التمييز

من الخطأ اعتبار كل تضارب للمصالح فساداً، كما أنه من الخطأ التقليل من خطورته لمجرد عدم ثبوت جريمة.

فتضارب المصالح قد يكون وضعية محتملة تستوجب الإفصاح والتدبير، بينما يتطلب إثبات الفساد التحقق من الوقائع والعناصر القانونية اللازمة ، ومع ذلك، فإن ترك المصالح المتعارضة دون معالجة قد يفتح المجال أمام المحاباة، واستغلال النفوذ، والإضرار بتكافؤ الفرص، وتوجيه القرارات لخدمة منافع غير مستحقة.

ومن ثم، فإن الوقاية لا ينبغي أن تنتظر وقوع الضرر، بل يجب أن تبدأ بوضع قواعد واضحة للإفصاح، وتوثيق القرارات، والتنحي عند الاقتضاء، وإخضاع الحالات المشكوك فيها للرقابة المختصة.

المال العام والصفقات والتعمير: أين تبرز المخاطر؟

تزداد أهمية الموضوع في المجالات التي تتقاطع فيها القرارات العمومية مع المصالح الاقتصادية والمالية، مثل الصفقات العمومية، والتراخيص، والتعمير، وتدبير الممتلكات الجماعية، والاستفادة من الموارد والامتيازات العمومية.

فحين تتداخل مسؤولية اتخاذ القرار مع مصلحة شخصية، يصبح من الضروري ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، والتأكد من أن القرارات تستند إلى معايير موضوعية، لا إلى العلاقات أو النفوذ.

ولا يكفي في هذا السياق أن ينفي المسؤول وجود تضارب في المصالح، كما لا يكفي أن يتهمه الآخرون به؛ بل ينبغي أن تكون هناك إجراءات واضحة للتحقق، ورقابة فعالة، وقرارات معللة، ومساءلة قانونية عند ثبوت المخالفة.

إن المؤسسات القوية هي التي لا تترك المجال للشبهات كي تتراكم، بل تجعل مسارات القرار واضحة وقابلة للمراجعة والمحاسبة.

المطلوب: الانتقال من محاربة الفساد إلى الوقاية منه

إن تعزيز النزاهة في المغرب يقتضي تطوير المقاربة الوقائية، من خلال توضيح مفهوم تضارب المصالح، وتقوية آليات التصريح بالمصالح الخاصة، وتحديد الحالات التي تستوجب الامتناع عن المشاركة في القرار، وتعزيز الرقابة على الصفقات والتراخيص وتدبير الممتلكات العمومية.

كما يتطلب الأمر توضيح المسؤوليات، وتفعيل الجزاءات عند ثبوت المخالفات، ونشر المعلومات التي يسمح القانون بنشرها، وتشجيع التبليغ المسؤول عن التجاوزات مع حماية الحقوق والضمانات القانونية لجميع الأطراف.

ولا ينبغي أن تتحول محاربة تضارب المصالح إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات، بل يجب أن تظل قائمة على الأدلة، واحترام قرينة البراءة، والمساواة أمام القانون.

فالهدف ليس إقصاء أصحاب المبادرات الاقتصادية أو منع المسؤولين من ممارسة حقوقهم المشروعة، وإنما ضمان ألا تتحول المسؤولية العامة إلى مصدر امتياز خاص، وألا تصبح السلطة وسيلة للتأثير غير المشروع في الفرص والقرارات.

رسالة إلى الرأي العام المغربي

إن تضارب المصالح ليس مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل هو اختبار لمدى احترام أخلاقيات المسؤولية، ولمصداقية المؤسسات، ولقدرة الدولة على ضمان المساواة أمام القانون.

فالمواطن الذي ينتظر خدمة عمومية منصفة، أو فرصة اقتصادية عادلة، أو قراراً إدارياً نزيهاً، من حقه أن يطمئن إلى أن المصالح الشخصية لا تتقدم على المصلحة العامة، وأن المسؤولية لا تمنح أصحابها امتيازاً خارج القانون.

كما أن المسؤول النزيه يحتاج بدوره إلى قواعد واضحة تحميه من الاتهامات المجانية، وتحدد واجباته وحدود تصرفه، وتجعل مساءلته مبنية على الوقائع والإجراءات العادلة.

إن الرهان الحقيقي ليس في كثرة الشعارات المرفوعة ضد الفساد، بل في بناء مؤسسات تمنع تضارب المصالح، وتكشفه عند وقوعه، وتعالجه بصرامة وعدالة.

فالمناصب تتغير، والمسؤولون يتعاقبون، لكن المصلحة العامة يجب أن تبقى ثابتة فوق المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.

وعندما تتعارض المسؤولية مع المنفعة الخاصة، ينبغي أن يكون الاحتكام إلى القانون، وأن تكون الشفافية قاعدة، والمساءلة ضمانة، والنزاهة شرطاً أساسياً لخدمة الوطن والمواطن.

لأن الدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بمعاقبة الفساد بعد وقوعه، بل تلك التي تبني من الضمانات والشفافية ما يجعل استغلال المسؤولية أمراً صعباً، ويجعل الثقة في المؤسسات نتيجة للممارسة لا مجرد وعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى