أي المواد قد تخضع لأعمق اختبار دستوري؟ وهل ينجح المشروع في تحقيق التوازن بين تحديث المهنة واستقلال الدفاع؟L

ذا عمرو العرباوي/مدير النشر
لم تنته رحلة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة عند بوابة البرلمان، بل بدأت مرحلة أكثر حساسية تتمثل في الرقابة الدستورية، وهي المرحلة التي ستحدد مدى انسجام النص مع روح دستور 2011، خاصة فيما يتعلق باستقلال المهنة وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
ويكتسي هذا التحقيق أهمية خاصة لأنه لا ينطلق من فرضية أن المشروع دستوري أو غير دستوري، وإنما يحاول تحديد المحاور القانونية التي يُرجح أن تستأثر باهتمام المحكمة الدستورية، استناداً إلى المبادئ الدستورية الحاكمة لتنظيم المهن المرتبطة بالعدالة.
أولاً: استقلال المحاماة هل وضع المشروع حدوداً واضحة بين التنظيم والوصاية؟
يقر الفقه الدستوري بأن للمشرع سلطة تنظيم المهن الحرة، بما فيها مهنة المحاماة، غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقف عند حدود احترام الضمانات الدستورية.
ومن ثم، فإن أي مقتضى يمنح للسلطات العمومية صلاحيات قد تُفسر بأنها تمس بالاستقلال المهني، قد يكون محلاً لفحص المحكمة من زاوية مبدأ التناسب واحترام جوهر الحق، وليس فقط من زاوية المشروعية الشكلية.
السؤال الذي قد يطرح نفسه هو: هل اكتفى المشروع بتنظيم المهنة، أم أنه تجاوز ذلك إلى فرض قيود قد تؤثر في استقلالها؟ والإجابة ستكون رهينة بقراءة المحكمة للنصوص محل الجدل.
ثانياً: حقوق الدفاع هل تم احترام الضمانات الدستورية؟
تشكل حقوق الدفاع أحد الثوابت الدستورية التي لا يجوز للمشرع الانتقاص من جوهرها، حتى عند تنظيم كيفية ممارستها.
ومن هذا المنطلق، قد تنظر المحكمة فيما إذا كانت بعض المقتضيات، منفردة أو مجتمعة، تؤثر في قدرة المحامي على أداء رسالته باستقلال وفعالية، أو تمس بسرية العلاقة مع الموكل، أو تحد من الضمانات المرتبطة بممارسة الدفاع في إطار المحاكمة العادلة.
ثالثاً: التأديب والمسؤولية المهنية
تنظيم التأديب المهني مشروع في حد ذاته، لكن أي نظام تأديبي يجب أن يراعي مبادئ الشرعية، وحقوق الدفاع، وحياد الجهة المقررة، وإمكانية الطعن، والتناسب بين المخالفة والعقوبة.
ومن المتوقع أن تنظر المحكمة فيما إذا كانت الضمانات الممنوحة للمحامي في هذا الباب كافية لتحقيق العدالة التأديبية.
رابعاً: شروط الولوج إلى المهنة
يملك المشرع صلاحية وضع شروط لممارسة المهن المنظمة، لكن هذه الشروط ينبغي أن تقوم على معايير موضوعية، وألا تؤدي إلى تقييد غير مبرر للحق في الولوج إلى المهنة.
وقد يكون من بين عناصر الرقابة الدستورية تقييم مدى معقولية هذه الشروط وانسجامها مع مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص.
خامساً: الأمن القانوني
من المبادئ التي كرستها الاجتهادات الدستورية مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي أن تكون القواعد القانونية واضحة وقابلة للتطبيق ولا تخلق غموضاً قد يؤدي إلى تضارب في التفسير أو المساس باستقرار المراكز القانونية.
وقد يشمل فحص المحكمة مدى دقة بعض المفاهيم الواردة في المشروع، إذا كانت قابلة لتأويلات متباينة.
بين سلطة البرلمان ورقابة المحكمة
المصادقة البرلمانية تمنح المشروع مشروعية تشريعية، لكنها لا تحسم في مدى دستوريته. فالمحكمة الدستورية تمارس رقابة مستقلة، وقد سبق لاجتهادها أن أكد أن احترام الإرادة التشريعية لا يعفي من ضرورة احترام الوثيقة الدستورية.
ومن ثم، فإن إحالة المشروع إلى المحكمة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تعطيلًا للإصلاح، وإنما باعتبارها آلية دستورية لضمان جودة التشريع.
ماذا بعد قرار المحكمة؟
إذا صرحت المحكمة بمطابقة المشروع للدستور، فسيمضي في مسطرة النشر والتنفيذ. أما إذا قضت بعدم دستورية بعض المقتضيات، فإن تلك المقتضيات لا يمكن أن تدخل حيز النفاذ قبل تعديلها وفق ما يقتضيه القرار الدستوري.
مخرجات هذا البحث ، إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في انتصار وجهة نظر الحكومة أو هيئات المحامين، وإنما في إنتاج قانون يحقق التوازن بين ثلاثة أهداف متكاملة: تحديث مهنة المحاماة، وتعزيز الحكامة، وصون استقلال الدفاع باعتباره ضمانة دستورية للمواطن قبل أن يكون امتيازاً مهنياً للمحامي.
ولهذا، فإن القرار المرتقب للمحكمة الدستورية لن يكون مجرد حسم في نزاع حول قانون مهني، بل سيشكل محطة مرجعية في رسم حدود السلطة التشريعية عند تنظيم المهن القضائية، وسيؤسس لاجتهاد دستوري ستكون له آثار تتجاوز مهنة المحاماة إلى مختلف المهن المرتبطة بتحقيق العدالة.



