اللجنة المركزية للإشراف على الانتخابات بالمغرب هل يؤسس الملك محمد السادس لمرحلة جديدة عنوانها النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية المقبلة، يكتسي القرار الملكي القاضي بإحداث لجنة مركزية للإشراف على نزاهة الانتخابات، تضم رئاسة النيابة العامة ووزارة الداخلية، أهمية دستورية وسياسية بالغة، باعتباره رسالة واضحة مفادها أن الانتخابات المقبلة ليست مجرد موعد انتخابي عادي، وإنما محطة استراتيجية لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ دولة القانون.
أن هذه اللجنة ستضم على المستوى المركزي رئاسة النيابة العامة ووزارة الداخلية، مع إحداث لجان جهوية يرأسها والي الجهة والوكيل العام للملك، ولجان إقليمية يرأسها عامل الإقليم أو العمالة ووكيل الملك، فإننا أمام تصور جديد لتدبير العملية الانتخابية، يقوم على الجمع بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية في إطار احترام اختصاص كل جهة.
الانتخابات ليست يوماً للاقتراع فقط
تجارب الديمقراطيات الحديثة تؤكد أن نزاهة الانتخابات لا تقاس فقط بيوم التصويت، وإنما تبدأ منذ الإعداد للوائح الانتخابية، مروراً بالحملات الانتخابية، وتمويلها، واستعمال وسائل الدولة، وانتهاءً بإعلان النتائج والبت في المخالفات.
ومن هذا المنطلق، فإن اللجنة المقترحة ستكون مطالبة بمواكبة جميع المراحل، ومنها:
-حماية حياد الإدارة.
-ضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين.
-محاربة شراء الأصوات.
-مواجهة استعمال المال غير المشروع.
-التصدي للتأثير على إرادة الناخبين.
-تتبع الجرائم الانتخابية.
-التنسيق بين مختلف المتدخلين.
وهذا يعني الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع المخالفة إلى منطق الوقاية والاستباق.
لماذا إشراك رئاسة النيابة العامة؟
منذ استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، أصبحت رئاسة النيابة العامة مسؤولة عن السياسة الجنائية وتتبع الجرائم، بما فيها الجرائم الانتخابية.
وحضورها داخل اللجنة المركزية يمنح عدة ضمانات:
-سرعة فتح الأبحاث.
-توحيد التعليمات على المستوى الوطني.
-تتبع الملفات الحساسة.
-ضمان التطبيق الموحد للقانون.
-تقوية ثقة المواطنين في حياد المتابعة القضائية.
كما أن وجودها إلى جانب وزارة الداخلية يكرس مبدأ التعاون بين المؤسسات دون المساس باستقلال القضاء.
دور وزارة الداخلية
رغم الجدل الذي يرافق دائماً دور وزارة الداخلية في الانتخابات، فإنها تبقى الجهة المكلفة دستورياً ولوجستيكياً بتنظيم العملية الانتخابية.
وتشرف على:
-اللوائح الانتخابية.
-مكاتب التصويت.
-التنظيم الإداري.
-تأمين العملية الانتخابية.
توفير الوسائل البشرية واللوجستية.
غير أن وجود النيابة العامة إلى جانبها يعزز الرقابة القانونية ويجعل كل تدخل خاضعاً لمبدأ المشروعية.
الامتداد الترابي قرار ذكي
من أبرز عناصر القوة في هذا التصور اعتماده على لجان جهوية وإقليمية.
فالجرائم الانتخابية غالباً ما تقع على المستوى المحلي، لذلك فإن وجود:
-والي الجهة والوكيل العام للملك.
-وعامل الإقليم ووكيل الملك.
يسمح بسرعة التدخل، واتخاذ القرارات في حينها، بدل انتظار التعليمات المركزية.
وهذا يختصر الزمن ويجعل الرقابة أكثر فعالية.
هل نحن أمام تحول في فلسفة تدبير الانتخابات؟
إذا تم تفعيل هذه اللجان بفعالية، فإن المغرب يكون قد انتقل من نموذج يعتمد أساساً على الإدارة إلى نموذج يقوم على الحكامة المشتركة بين الإدارة والقضاء.
فبدل أن تتحمل جهة واحدة مسؤولية سلامة الانتخابات، تصبح المسؤولية موزعة بين مؤسسات متعددة، بما يعزز الشفافية ويقلل من احتمالات الانحراف.
الرسائل السياسية للقرار
يحمل القرار الملكي عدة رسائل، أهمها:
أولاً: لا تساهل مع الفساد الانتخابي.
ثانياً: حماية الإرادة الحرة للناخب.
ثالثاً: جعل القانون فوق جميع المتنافسين.
رابعاً: تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
خامساً: تقديم صورة إيجابية عن المسار الديمقراطي المغربي أمام الشركاء الدوليين.
هل تكفي اللجان وحدها؟
مهما بلغت قوة هذه اللجان، فإن نجاحها يبقى رهيناً بجملة من الشروط، من أبرزها:
-التطبيق الصارم للقانون على الجميع دون استثناء.
-سرعة معالجة الشكايات.
-نشر المعطيات المتعلقة بالمخالفات في حدود ما يسمح به القانون.
-حماية المبلغين والشهود.
-تعزيز التكوين المتخصص لأعضاء اللجان.
-التنسيق مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والملاحظين المعتمدين، وهيئات المجتمع المدني.
فاللجان ليست بديلاً عن الإرادة السياسية، بل أداة لتنزيلها.
الأثر المتوقع على المشهد السياسي
إذا مارست هذه اللجان اختصاصاتها باستقلالية وفعالية، فمن المنتظر أن تنعكس آثارها على عدة مستويات:
-تراجع ظاهرة شراء الأصوات.
-الحد من توظيف المال الانتخابي.
-تقوية تنافس البرامج بدل الولاءات.
-رفع نسبة الثقة في نتائج الاقتراع.
-تعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة.
-تحسين صورة المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بالنزاهة والشفافية.
كما ستدفع الأحزاب السياسية إلى مراجعة أساليب تدبير حملاتها، والاعتماد أكثر على التأطير السياسي والإقناع بدل الممارسات غير المشروعة.
قراءة دستورية
ينسجم هذا التوجه مع المبادئ الدستورية التي تجعل من الانتخابات الحرة والنزيهة أساساً لشرعية المؤسسات، كما ينسجم مع مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والمساواة أمام القانون، وحماية الحقوق السياسية للمواطنين.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذا النموذج يقتضي احترام استقلال كل مؤسسة، بحيث يظل دور وزارة الداخلية تنظيمياً وإدارياً، بينما تمارس النيابة العامة اختصاصاتها القضائية وفقاً للقانون، دون تداخل أو تأثير متبادل.
مخرجات هذا التقرير، لا يمثل إحداث لجنة مركزية ولجان جهوية وإقليمية للإشراف على نزاهة الانتخابات مجرد إجراء تنظيمي، بل يعكس توجهاً مؤسساتياً نحو تعزيز الثقة في العملية الديمقراطية من خلال تنسيق أوثق بين الإدارة والقضاء، مع الحفاظ على اختصاصات كل طرف.
ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذا الورش هو مدى قدرته على ضمان انتخابات تتسم بالشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام إرادة الناخبين، بما يعزز شرعية المؤسسات المنتخبة ويكرس دولة القانون.



