اخبار جهوية
برشيد تحت مجهر اليقظة الأمنية: بين هاجس السلامة وحزم الردع

ذا عمرو العرباوي /مدير النشر
في مدينةٍ تنمو على إيقاع التحولات العمرانية والديمغرافية، تبدو اليقظة الأمنية خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا مؤقتًا، هكذا هو المشهد اليوم في إقليم برشيد، حيث رفعت الأجهزة الأمنية بالمنطقة الإقليمية حالة التأهب ليلًا ونهارًا، مع تنصيب سدود قضائية متعددة داخل المدار الحضري، في خطوة تستهدف ضبط حركة السير والتصدي للمخالفات، وعلى رأسها الانفلات المرتبط ببعض مستعملي الدراجات النارية.
مقاربة استباقية لا ظرفية
هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي تعرفها مدن الأطراف الكبرى. فبرشيد، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من الدار البيضاء، أصبحت نقطة عبور نشطة ومحورًا اقتصاديًا واجتماعيًا متسارع النمو. ومع هذا التوسع، تتزايد حركة السير، ويبرز تحدي السلامة الطرقية كأولوية ملحة.
تنصيب السدود القضائية يندرج ضمن مقاربة استباقية تهدف إلى:
-مراقبة العربات المشبوهة والتحقق من الوثائق القانونية.
-ضبط الدراجات النارية غير المسجلة أو المعدلة تقنيًا.
-ردع السياقة الاستعراضية والخطيرة داخل الأحياء السكنية.
-الحد من الحوادث الناجمة عن السرعة أو عدم احترام قانون السير.
الدراجات النارية ، بين وسيلة نقل ومصدر قلق
لا يختلف اثنان على أن الدراجة النارية وسيلة نقل عملية واقتصادية، خاصة لفئات واسعة من الشباب والعمال، غير أن سوء استعمالها — كالسير بدون خوذة، أو حمل أكثر من راكب، أو تغيير معالمها التقنية لرفع السرعة وإحداث ضجيج — يحولها من أداة نفع إلى مصدر تهديد حقيقي.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن نسبة معتبرة من حوادث السير داخل المدن الصغرى والمتوسطة ترتبط بالدراجات النارية، سواء بسبب تهور السائقين أو غياب التأمين والوثائق القانونية، وعليه، فإن تشديد المراقبة لا يستهدف الوسيلة في حد ذاتها، بل السلوك المنحرف المرتبط بها.
فلسفة الردع الإيجابي
رفع حالة التأهب الأمني لا يعني بالضرورة وجود انفلات، بل قد يعكس إرادة في منع الانفلات قبل وقوعه، فالمقاربة الأمنية الحديثة تقوم على ثلاثة أعمدة:
1-الاستباق: التحرك قبل تفاقم الظاهرة.
2-الحضور الميداني المكثف: بث الطمأنينة في نفوس المواطنين.
3-التفعيل الصارم للقانون: لضمان المساواة أمام النصوص التنظيمية.
السدود القضائية، في هذا السياق، ليست مجرد نقاط تفتيش، بل رسائل واضحة مفادها أن المجال العام محكوم بقواعد، وأن السلامة الطرقية مسؤولية جماعية.
بين الأمن والتنمية
الأمن ليس فقط غياب الجريمة، بل هو شرط أساسي لجذب الاستثمار وتحقيق التنمية المحلية. فالمستثمر والسائح والمواطن على حد سواء يبحثون عن فضاء مستقر وآمن. ومن ثم، فإن الجهود الأمنية المتواصلة تسهم بشكل غير مباشر في تحسين صورة المدينة وتعزيز الثقة في مؤسساتها.
كما أن هذه الدينامية تعكس تنسيقًا بين مختلف المصالح الأمنية، في إطار رؤية تروم تقليص مؤشرات الجريمة والحوادث، وتحصين المدينة ضد أي اختراق محتمل.
مسؤولية مشتركة
غير أن المعالجة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، تظل غير مكتملة دون وعي مجتمعي موازٍ، فاحترام قانون السير، واستعمال الخوذة الواقية، وتجنب السياقة الاستعراضية، كلها سلوكيات تبدأ من الأسرة والمدرسة والفضاء الجمعوي.
الرهان اليوم في برشيد ليس فقط في حجز دراجة أو تحرير مخالفة، بل في ترسيخ ثقافة قانونية جديدة قوامها أن الحرية في استعمال الطريق تقف عند حدود سلامة الآخرين.
مخرجات هذا المقال ، إن رفع حالة التأهب الأمني بالمنطقة الإقليمية ببرشيد يعكس تحولًا من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المعالجة الظرفية إلى التخطيط الممنهج، وبين صرامة القانون وحماية الأرواح، تتشكل معادلة دقيقة عنوانها: مدينة آمنة، مسؤولة، وقادرة على مواكبة نموها دون أن تدفع ثمن الفوضى.
إنها رسالة واضحة: الأمن ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا يوميًا تُصنع تفاصيله في الشارع، عند كل سد قضائي، وعند كل قرار باحترام القانون.



