اخبار منوعة
قانون الإثراء غير المشروع حين يصبح المال سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في النقاش العمومي المغربي، قليل هي القوانين التي تثير كل هذا القدر من التحفظ والارتباك داخل المؤسسة التشريعية كما يفعل قانون الإثراء غير المشروع، والسبب ليس تقنيًا كما يُروَّج له، بل سياسي وأخلاقي بامتياز، لأنه يضع الإصبع على موضع الداء: العلاقة الملتبسة بين السلطة والمال.
أولًا: ما هو قانون الإثراء غير المشروع؟
لغةً، الإثراء هو الزيادة والكثرة في المال، ويُقال ثَرِيَ الرجل إذا أصبح غنيًا، أما غير المشروع، فهو ما خالف القانون أو خرج عن دائرة الإباحة.
وعليه، فإن الإثراء غير المشروع يعني تحقق ثروة أو تضخمًا ماليًا بوسائل لا يمكن تبرير مشروعيتها.
اصطلاحًا وقانونيًا، يُقصد بقانون الإثراء غير المشروع ذلك الإطار التشريعي الذي:
يُجرِّم الزيادة الكبيرة وغير المبررة في ثروة شخص يتولى مسؤولية عمومية، عندما لا تتناسب هذه الزيادة مع دخله المشروع، ويعجز عن تبرير مصدرها.
جوهر هذا القانون لا يقوم على إثبات جريمة كلاسيكية كالاختلاس أو الرشوة، بل على قرينة عدم التناسب بين الدخل والثروة، وهو ما يجعله أداة وقائية وزجرية في آن واحد.
ثانيًا: الإثراء غير المشروع والدستور المغربي
دستور 2011 وضع الأسس الصلبة لمحاربة الفساد، وفي مقدمها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول، وهذا المبدأ لا يمكن أن يتحول إلى ممارسة فعلية دون آليات قانونية تُمكِّن من مساءلة المسؤولين عن نتائج توليهم السلطة، وفي مقدمتها تطور ذممهم المالية.
كما ينص الفصل 36 من الدستور على تجريم كل أشكال الفساد واستغلال النفوذ وتضارب المصالح، وهي ممارسات غالبًا ما تُنتج ثروات غير مبررة دون ترك أثر جنائي مباشر، وهنا يبرز دور قانون الإثراء غير المشروع باعتباره جسرًا بين النص الدستوري والواقع السياسي.
ثالثًا: لماذا يُواجَه هذا القانون بكل هذا الرفض؟
المفارقة أن أكبر مقاومة لهذا القانون تصدر أحيانًا من داخل البرلمان نفسه، أي من المؤسسة التي يُفترض أن تجسد الإرادة الشعبية، والسبب واضح وإن لم يُصرَّح به:
القانون يمس من يشرّعونه.
فقانون الإثراء غير المشروع:
-يُخضع المنتخب لمنطق الشفافية.
-يُلزم بتبرير مصدر الثروة.
-ويكسر منطق الامتياز المرتبط بالمنصب.
وهذا ما يخلق حالة تضارب مصالح بنيوية، حيث يتحول النقاش القانوني إلى دفاع غير مباشر عن وضعيات شخصية.
رابعًا: مغالطة الحقوق والحريات
غالبًا ما يُقدَّم الاعتراض على هذا القانون باسم:
-قرينة البراءة.
-حماية الحياة الخاصة.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية:
المسؤول العمومي يتمتع بامتياز السلطة، وبالتالي يخضع لمستوى أعلى من الرقابة.
فقرينة البراءة لا تعني إعفاء المسؤول من واجب التبرير، بل تحميه من الإدانة دون مسطرة عادلة، أما الشفافية المالية، فهي شرط أخلاقي وقانوني لتولي الشأن العام، لا انتهاكًا للخصوصية.
خامسًا: بين الخطاب الملكي والممارسة السياسية
في أكثر من مناسبة، شدد جلالة الملك محمد السادس على أن محاربة الفساد معركة وطنية، وأن لا مكان للإفلات من العقاب، غير أن الواقع يكشف عن فجوة مقلقة بين هذا الخطاب التوجيهي وبين سلوك بعض الفاعلين السياسيين الذين يُفرغون القوانين من محتواها أو يسعون إلى تعطيلها ان لم نقل قبرها في المهد .
وهنا يصبح السؤال مشروعًا، كيف يمكن الحديث عن تخليق الحياة العامة، بينما تُقاوَم أبسط آليات المحاسبة؟
مخرجات هذا المقال ، من المتفق عليه أن قانون الإثراء غير المشروع ليس استهدافًا للأشخاص، بل حماية للدولة، وليس تهديدًا للحريات، بل تحصينًا للثقة العامة، وكل محاولة لعرقلته أو قبره لا يمكن فهمها إلا كدليل على خوف عميق من الشفافية.
فالدولة القوية لا تخشى مساءلة مسؤوليها،
والديمقراطية الحقيقية تبدأ حين يُسأل
من أين لك هذا؟



