اخبار منوعة

آسفي بين تضارب المصالح والعدالة المجالية الغائبة: حين تُهدر فرص التنمية في مدينة منكوبة

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
رغم ما تزخر به مدينة آسفي من مؤهلات طبيعية وبحرية وبشرية، ورغم موقعها الاستراتيجي على الساحل الأطلسي، فإن واقعها التنموي يكشف عن مفارقة صادمة: مدينة غنية بالإمكانات، فقيرة في النتائج. مفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً ومحرجاً في الآن ذاته: هل كان تضارب المصالح بين الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين سبباً مباشراً في تعطيل تنزيل العدالة المجالية، وبالتالي إهدار فرص التنمية الشاملة؟
العدالة المجالية، كما كرسها دستور 2011، تقوم على مبدأ الإنصاف في توزيع الثروة، والاستثمار العمومي، والخدمات الأساسية بين الجهات والأقاليم، بما يضمن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، غير أن هذا المفهوم ظل في آسفي أقرب إلى شعار سياسي منه إلى سياسة عمومية ملموسة.
فعلى مستوى البنيات التحتية، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والبيئة، ما تزال المدينة تعاني اختلالات بنيوية عميقة، تتناقض مع ما يفترض أن تحققه العدالة المجالية من توازن وتنمية مندمجة.
لا يمكن قراءة هذا التعثر التنموي بمعزل عن ظاهرة تضارب المصالح بين عدد من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. فحين يجمع المنتخب بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة، تتحول السياسات التنموية إلى أدوات لخدمة فئات محدودة، بدل أن تكون رافعة للإنصاف المجالي.
في آسفي، أفرز هذا الوضع:
-تعطيل مشاريع استراتيجية أو تفريغها من مضمونها التنموي الحقيقي؛
-توجيه الاستثمارات العمومية وفق منطق الولاءات السياسية لا وفق حاجيات الساكنة؛
-هيمنة منطق الريع على حساب التنافسية والشفافية؛
-إضعاف دور المؤسسات المنتخبة في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
وصف آسفي بـ”المدينة المنكوبة” لا يرتبط فقط بالكوارث البيئية أو الفيضانات أو التلوث الصناعي، بل يمتد ليشمل نكبة في الحكامة ونكبة في القرار العمومي، فالتنمية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على تحسين جودة عيش المواطن، وهو ما لم يتحقق بالقدر المطلوب.
لقد ضاعت فرص حقيقية:
-فرص تثمين الثروة البحرية والصناعات التحويلية؛
-فرص خلق اقتصاد محلي منتج للشغل؛
-فرص إدماج الشباب في دينامية تنموية حقيقية؛
-فرص تحقيق توازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
الواقع المرير الذي تعيشه آسفي هو نتيجة تراكب مسؤوليات متعددة: فاعلون سياسيون انشغل بعضهم بالصراع الانتخابي بدل البناء التنموي، وإدارة محلية مكبلة أحياناً بتوجيهات متناقضة، ومجتمع مدني لم يُمكَّن دائماً من لعب دوره الرقابي والترافعي.
كما أن غياب الالتقائية بين السياسات العمومية، وتشتت البرامج القطاعية، ساهما في إنتاج تنمية مجزأة، فاقدة للنجاعة والأثر الاجتماعي.
فآستعادة العدالة المجالية بآسفي تقتضي:
-تفعيل صارم لآليات محاربة تضارب المصالح وربط المسؤولية بالمحاسبة؛
-إعادة الاعتبار للتخطيط الترابي المبني على الحاجيات الحقيقية للساكنة؛
-تحصين القرار التنموي من الحسابات السياسية الضيقة؛
-إشراك فعلي للمجتمع المدني والخبراء المحليين؛
-جعل التنمية البيئية والاجتماعية في صلب أي مشروع اقتصادي.
مخرجات المقال ، إن ما تعيشه مدينة آسفي ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة اختيارات وتقاطعات مصالح عطلت مسار العدالة المجالية،  ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، وتم القطع مع منطق الريع والتدبير الموسمي، لصالح رؤية تنموية شجاعة، عادلة، ومستدامة.
فآسفي لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى قرار تنموي نظيف يُعيد الاعتبار للإنسان قبل المشروع، وللمصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى