اخبار منوعة
ابتزاز القدرة الشرائية رغم انفراج المناخ: لماذا لا تنخفض الأسعار في المغرب؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
رغم التحسن الملحوظ في الظروف المناخية، وعودة التساقطات المطرية الغزيرة، وارتفاع نسبة ملء السدود إلى مستويات مريحة تجاوزت 70 في المائة، إضافة إلى وفرة الكلأ وتحسن وضعية القطيع، لا تزال الأسواق المغربية تسجل مستويات مرتفعة للأسعار، خاصة في المواد الغذائية الأساسية. هذا التناقض الصارخ بين وفرة العرض الطبيعي واستمرار الغلاء يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الاختلالات التي تحكم السوق، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام أزمة ظرفية أم خلل بنيوي في منظومة الاقتصاد والتوزيع؟
وفرة طبيعية دون أثر على الأسعار
منطق الاقتصاد البسيط يفترض أن تحسن العرض، خصوصاً في القطاعات الفلاحية، يؤدي إلى انخفاض الأسعار، غير أن الواقع يكشف عن انفصال واضح بين الإنتاج والأسعار.
فالأمطار التي أنعشت الفرشة المائية وأعادت الحياة إلى الأراضي الزراعية، لم تنعكس بالشكل المنتظر على أثمان الخضر واللحوم والحبوب.
هذا الوضع يبرز أن العامل المناخي، رغم أهميته، لم يعد المحدد الوحيد في تشكيل الأسعار، بل أصبح مجرد عنصر ضمن منظومة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها سلاسل التوزيع، والوسطاء، والمضاربات، وحتى التوجهات العالمية للأسواق.
سلاسل توزيع معطوبة وهوامش ربح غير مضبوطة
أحد أبرز التفسيرات يتمثل في اختلال سلاسل التوزيع، حيث تتعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل غير مبرر.
فالفلاح الصغير غالباً ما يبيع محصوله بثمن منخفض، بينما يصل المنتوج إلى المستهلك بسعر مضاعف عدة مرات.
غياب الشفافية في تحديد هوامش الربح، وضعف آليات المراقبة، يفتحان الباب أمام ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الريع التجاري”، حيث تتحكم فئات محدودة في السوق وتفرض أسعاراً لا تعكس التكلفة الحقيقية.
تأثيرات السوق الدولية واستيراد التضخم
لا يمكن عزل الاقتصاد المغربي عن محيطه العالمي، فأسعار الطاقة، والنقل، والمواد الأولية، ما تزال متأثرة بتقلبات الأسواق الدولية، ورغم تحسن الإنتاج المحلي، فإن كلفة المدخلات (كالأسمدة والأعلاف المستوردة سابقاً) ما تزال تلقي بظلالها على الأسعار النهائية.
كما أن بعض الفاعلين الاقتصاديين يبررون استمرار الغلاء بضرورة “تعويض الخسائر” التي تكبدوها خلال سنوات الجفاف، وهو منطق يثير جدلاً أخلاقياً واقتصادياً، لأنه ينقل عبء الأزمة إلى المستهلك.
ضعف المنافسة واحتكار غير معلن
من بين العوامل الخفية أيضاً، وجود أشكال من الاحتكار أو التمركز الاقتصادي في بعض القطاعات، حيث تهيمن شركات أو شبكات توزيع محددة على السوق، ما يضعف المنافسة ويحد من إمكانية انخفاض الأسعار.
وفي غياب تدخل حازم لضبط السوق، تتحول هذه الوضعية إلى بيئة خصبة للمضاربة والتلاعب بالأسعار، خاصة في الفترات الانتقالية بين المواسم الفلاحية.
البعد الاجتماعي: ضغط متزايد على الأسر
استمرار ارتفاع الأسعار، رغم تحسن المؤشرات الطبيعية، يفاقم من معاناة الأسر المغربية، خاصة ذات الدخل المحدود. فالقدرة الشرائية لم تستعد عافيتها بعد سنوات الجفاف والتضخم، ما يجعل أي ارتفاع إضافي بمثابة ضغط مباشر على الاستقرار الاجتماعي.
كما أن هذا الوضع يضعف الثقة في آليات السوق، ويغذي شعوراً عاماً بعدم العدالة الاقتصادية.
إلى أين تتجه البلاد؟
إذا استمرت هذه الاختلالات دون معالجة جذرية، فإن البلاد قد تتجه نحو مزيد من التوتر الاجتماعي، واتساع الفوارق الاقتصادية، وتآكل الطبقة المتوسطة، لكن في المقابل، يشكل هذا الظرف فرصة حقيقية لإعادة هيكلة منظومة التسويق الفلاحي، وتعزيز دور أجهزة المراقبة، وتشجيع المنافسة الشريفة.
ما العمل؟
لمواجهة هذه الظاهرة، تبرز مجموعة من الإجراءات الضرورية:
-ضبط سلاسل التوزيع وتقليص عدد الوسطاء.
-تفعيل آليات مراقبة الأسعار وزجر المضاربة.
-دعم الفلاح الصغير وتمكينه من الوصول المباشر إلى الأسواق.
-تعزيز الشفافية في تحديد هوامش الربح.
-تشجيع الاستهلاك المحلي وتقوية الإنتاج الوطني.
-إصلاح منظومة التخزين والتسويق.
مخرجات هذا المقال ، إن ما يحدث اليوم في الأسواق المغربية ليس مجرد مفارقة عابرة، بل مؤشر على خلل عميق في بنية الاقتصاد وآليات اشتغاله، فوفرة الطبيعة لا تكفي وحدها لضمان عدالة الأسعار، ما لم تُواكب بإصلاحات مؤسساتية تعيد التوازن بين المنتج والمستهلك، وتضع حداً لكل أشكال الاستغلال غير المشروع للقدرة الشرائية.
في زمن الوفرة، يصبح الغلاء أكثر إيلاماً وأكثر استفزازاً للقدرة الشرائية.



