اخبار منوعة

تفريد العقوبة بالمغرب بين فلسفة الإصلاح وإكراهات الواقع السجني

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

في الأنظمة الجنائية الحديثة، لم تعد العقوبة مجرد وسيلة للردع أو الانتقام الاجتماعي، بل أصبحت أداة قانونية وتربوية تهدف إلى الإصلاح وإعادة الإدماج، ومن هنا برز مفهوم “تفريد العقوبة” باعتباره أحد أهم مرتكزات السياسة الجنائية المعاصرة، حيث يتم التعامل مع كل جانح وفق شخصيته وخطورة فعله وظروفه الاجتماعية والنفسية، بدل اعتماد منطق عقابي موحد لا يميز بين المجرمين.

وفي المغرب، حاولت السياسة الجنائية خلال السنوات الأخيرة الانتقال من المقاربة الزجرية التقليدية إلى مقاربة أكثر إنسانية تقوم على إعادة التأهيل والتصنيف داخل المؤسسات السجنية، غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل استطاعت إدارة السجون فعلا تنزيل مبدأ تفريد العقوبة داخل الواقع السجني؟ وهل نجحت في منع اختلاط أصحاب الجرائم البسيطة بذوي السوابق والخطورة الإجرامية المرتفعة؟

تفريد العقوبة من النظرية القانونية إلى الفلسفة الإصلاحية

يقوم تفريد العقوبة على مبدأ أساسي مفاده أن الجريمة ليست وحدها معيار العقاب، بل إن شخصية الجاني وسلوكه وخطورته الاجتماعية تعد عناصر حاسمة في تحديد نوع العقوبة وكيفية تنفيذها، ولهذا السبب، لم تعد السياسة الجنائية الحديثة تكتفي بإصدار الأحكام، بل تهتم كذلك بمرحلة تنفيذ العقوبة داخل المؤسسة السجنية.

وقد سعى المشرع المغربي إلى تكريس هذا التوجه من خلال القوانين المنظمة للمؤسسات السجنية، التي تنص على ضرورة تصنيف السجناء وفق معايير متعددة، تشمل السن، والجنس، والسوابق القضائية، والحالة الصحية والنفسية، وطبيعة الجريمة، ومستوى الخطورة الإجرامية، وذلك بهدف تسهيل إعادة الإدماج الاجتماعي.

كما أن التحولات الجديدة المرتبطة بقانون العقوبات البديلة تعكس توجها رسميا نحو تقليص الطابع الزجري للعقوبة وتعزيز فلسفة الإدماج والإصلاح بدل الاقتصار على السجن التقليدي.

إدارة السجون ومحاولة تنزيل سياسة التصنيف

المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج أعلنت منذ سنوات اعتماد دليل خاص بتصنيف السجناء، يقوم على معايير موضوعية تهدف إلى توزيع المعتقلين حسب خطورتهم وحاجياتهم الإصلاحية. وقد اعتبر هذا التوجه خطوة مهمة في سبيل الحد من “العدوى الإجرامية” التي تنتج عن اختلاط المجرمين المبتدئين بالمعتادين والمحترفين.

ومن الناحية النظرية، فإن هذا التصنيف يسمح بـ:

-فصل مرتكبي الجرائم البسيطة عن أصحاب الجرائم الخطيرة.
-حماية السجناء الأحداث من التأثير الإجرامي للنزلاء الخطرين.
-تخصيص برامج تأهيلية مناسبة لكل فئة.
-تقييم السجين بناء على قابلية الإصلاح وليس فقط على نوع الجريمة.
-تسهيل إعادة الإدماج بعد الإفراج.

غير أن الواقع العملي داخل عدد من المؤسسات السجنية المغربية يكشف وجود فجوة واضحة بين النص القانوني والتنزيل الفعلي.

الاكتظاظ العدو الأول لتفريد العقوبة

أكبر تحد يواجه تطبيق تفريد العقوبة في المغرب يتمثل في الاكتظاظ السجني، فحين تتحول المؤسسة السجنية إلى فضاء مكتظ يفوق طاقته الاستيعابية، يصبح من الصعب عمليا تطبيق نظام تصنيف دقيق وفعال.

وقد أشارت عدة تقارير وتحليلات إلى أن ارتفاع الاعتقال الاحتياطي وارتفاع عدد السجناء يؤديان إلى ضغط هائل على المؤسسات السجنية، مما يحد من قدرة الإدارة على الفصل الحقيقي بين النزلاء حسب درجة الخطورة.

وفي مثل هذه الظروف، قد يجد شخص متابع في قضية بسيطة نفسه داخل فضاء يضم مجرمين ذوي سوابق خطيرة، وهو ما يخلق بيئة خصبة لاكتساب أنماط إجرامية جديدة، ويحول السجن أحيانا من مؤسسة للإصلاح إلى “مدرسة للجريمة”.

العدوى الإجرامية داخل السجون

من أخطر الإشكالات المرتبطة بضعف تفريد العقوبة، ما يعرف بـ”العدوى الإجرامية”، حيث يؤدي الاختلاط غير المدروس إلى انتقال الخبرات والسلوكيات الإجرامية بين السجناء.

فالسجين المبتدئ أو المحكوم في جنحة بسيطة قد يتحول داخل السجن إلى شخص أكثر تطرفا أو احترافا للجريمة نتيجة الاحتكاك اليومي بذوي السوابق الثقيلة. وهذا الأمر يهدد فلسفة الإصلاح برمتها، لأن المؤسسة السجنية تصبح فضاء لإعادة إنتاج الجريمة بدل الحد منها.

كما أن غياب التأطير النفسي والتربوي الكافي داخل بعض المؤسسات يزيد من تعقيد الوضع، خاصة في ظل الخصاص في الموارد البشرية المختصة في علم النفس والاجتماع والتأهيل السلوكي.

العقوبات البديلة محاولة لتخفيف الأزمة

أمام هذا الواقع، اتجه المغرب إلى تبني قانون العقوبات البديلة باعتباره مدخلا لتخفيف الضغط على السجون وتحقيق تفريد أكثر فعالية للعقوبة، ويقوم هذا التوجه على استبدال العقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم البسيطة بعقوبات أخرى، مثل العمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية أو التقييد ببعض الالتزامات القانونية.

ويُنتظر أن يساهم هذا الورش في:

-تقليص الاكتظاظ.
-تحسين ظروف التصنيف داخل السجون.
-الحد من الاختلاط الإجرامي.
-تعزيز فرص إعادة الإدماج.
-تقليص كلفة الاعتقال على الدولة.

غير أن نجاح هذه التجربة يبقى رهينا بوجود بنية مؤسساتية قوية، وتكوين متخصص للقضاة وأطر السجون، وآليات فعالة للمراقبة والتتبع.

بين المقاربة الأمنية والمقاربة الحقوقية

لا يزال تدبير المؤسسات السجنية في المغرب يعيش نوعا من التوازن الصعب بين البعد الأمني والبعد الحقوقي، فمن جهة، تفرض حماية الأمن الداخلي للمؤسسات السجنية إجراءات صارمة في التعامل مع بعض الفئات الخطيرة، ومن جهة أخرى تقتضي فلسفة حقوق الإنسان توفير شروط الإصلاح والتأهيل.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن حماية المجتمع دون تحويل السجن إلى فضاء للإقصاء الدائم؟ وكيف يمكن معاقبة الجاني دون القضاء على فرص إصلاحه؟

مخرجات هذا المقال ، يمكن القول إن المغرب خطا خطوات مهمة على المستوى التشريعي والمؤسساتي نحو تكريس مبدأ تفريد العقوبة، سواء عبر اعتماد نظام تصنيف السجناء أو من خلال إدخال العقوبات البديلة ضمن السياسة الجنائية الحديثة، غير أن الواقع العملي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها الاكتظاظ وضعف الإمكانيات البشرية واللوجستية وصعوبة الفصل الكامل بين السجناء حسب خطورتهم الإجرامية.

وبالتالي، فإن نجاح تفريد العقوبة لا يتوقف فقط على النصوص القانونية، بل يحتاج إلى رؤية شمولية تجعل من المؤسسة السجنية فضاء حقيقيا للإصلاح وإعادة بناء الإنسان، لا مجرد مكان لتنفيذ العقوبة، ففي النهاية لا تقاس فعالية السياسة الجنائية بعدد المسجونين، بل بقدرتها على تقليص العودة إلى الجريمة وصناعة مواطن قادر على الاندماج من جديد داخل المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى