اخبار منوعة

أحزاب تدير الصناديق لا تبني الأجيال: لماذا تفتقد الساحة السياسية في المغرب لـ”مشروع دولة”؟

ذا عمرو العرباوي /مدير النشر

في المشهد السياسي المغربي، تتكرر ظاهرة تثير الكثير من التساؤلات والقلق مع كل استحقاق انتخابي؛ حيث تتسابق الأحزاب السياسية لطرح برامج ووعود تبدو في ظاهرها طموحة، لكنها سرعان ما تتبخر بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وتشكيل الحكومة، هذا الواقع المكرر يطرح إشكالية جوهرية يتردد صداها في الصالونات السياسية ولدى الباحثين: الأحزاب في المغرب لا تملك “مشروع دولة”، بل تملك فقط “مشروع انتخابات”.
للوقوف على تفاصيل هذا التوجه وتفكيك بنيته، لا بد من الغوص في طبيعة النسق السياسي المغربي، والتحولات التي طرأت على البنية الحزبية، والتي جعلت من الفاعل الحزبي مجرد “مدير أزمات” أو “مُدبر للشأن العام” بدلاً من أن يكون صاحب رؤية استراتيجية لبناء الدولة.

1-أفول الأيديولوجيا وصعود “البراغماتية الانتخابية”:
تاريخياً، كانت الأحزاب المغربية (خاصة أحزاب الحركة الوطنية واليسار) تمتلك تصورات شمولية لشكل الدولة، ونماذج تنموية واضحة المعالم، وتدافع عن أيديولوجيات صلبة.
أما اليوم، فقد تلاشت الخطوط الفاصلة بين اليمين واليسار والوسط، أصبحت البرامج الحزبية عبارة عن “كتالوجات” تقنية تتشابه إلى حد التطابق، وتفتقد للروح السياسية والرؤية المجتمعية.
هذا الفراغ الأيديولوجي جعل الهدف الأسمى للحزب ليس “تطبيق رؤية مجتمعية”، بل “حصد أكبر عدد من المقاعد”، مما يحول العمل السياسي من مشروع طويل الأمد إلى صفقة قصيرة الأجل تنتهي بانتهاء فرز الأصوات.

2-هيمنة “الأعيان” على حساب “المناضلين”:
من أبرز تجليات “مشروع الانتخابات” هو طبيعة النخب التي تتصدر المشهد الحزبي. لضمان الفوز، تخلت الأحزاب عن مناضليها ومثقفيها لصالح “الأعيان”؛ وهم أصحاب النفوذ المالي والقبلي في مناطقهم.
الاعتماد على “مول الشكارة” (صاحب المال) يضمن للحزب مقاعد برلمانية مؤكدة، لكنه في المقابل يفرغ الحزب من أي كفاءة قادرة على التخطيط الاستراتيجي. هؤلاء الأعيان لا يحملون مشاريع دولة، بل يبحثون عن مظلة حزبية لحماية مصالحهم وتوسيع نفوذهم المحلي، مما يجعل الحزب رهينة لشبكات الزبونية بدلاً من أن يكون قاطرة للتنمية.

3-السقف الدستوري وطبيعة النسق السياسي:
لا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن بنية النظام السياسي المغربي. فرغم الصلاحيات الواسعة التي منحها دستور 2011 للحكومة ولرئيسها، يظل الملك هو الفاعل الاستراتيجي الأول والموجه للسياسات الكبرى للدولة (الخارجية، الدفاع، الأمن، المشاريع الكبرى، والدين).
في ظل هذا النسق، اختارت الأحزاب السياسية الركون إلى منطقة الراحة (Comfort Zone). بدلاً من الاجتهاد لتقديم مشاريع مكملة أو بديلة، اكتفت بلعب دور “المقاول الفرعي” الذي ينفذ التوجيهات الملكية، وتخلت عن دورها الدستوري في تأطير المواطنين وإنتاج الأفكار. ولعل أبرز دليل على ذلك هو اضطرار الدولة إلى تشكيل لجنة ملكية لصياغة “النموذج التنموي الجديد”، وهو إقرار ضمني بعجز المؤسسات الحزبية عن إنتاج مشروع دولة متكامل.

4-فخ التحالفات الهجينة والترضيات:
حتى وإن امتلك حزب ما نواة لـ”مشروع دولة”، فإن النظام الانتخابي المغربي (التمثيل النسبي والقاسم الانتخابي) يجعل من المستحيل على أي حزب الحصول على أغلبية مطلقة، هذا يفرض على الحزب المتصدر الدخول في تحالفات حكومية هجينة مع أحزاب تختلف عنه، بل وتناقضه في الرؤى.
هذه التحالفات تُبنى غالباً على منطق اقتسام الغنائم وتوزيع الحقائب الوزارية (الترضيات) وليس على أساس تقاطع البرامج. والنتيجة؟ يتم تمزيق البرنامج الانتخابي للحزب المتصدر لخلق برنامج حكومي مشوه لا يمثل طموحات أي طرف، مما يقتل أي فرصة لتنزيل مشروع حقيقي ومتماسك للدولة.

5-قصر النظر السياسي (رؤية الـ 5 سنوات):
مشروع الدولة يتطلب رؤية تمتد لعشرين أو ثلاثين عاماً، وتتطلب أحياناً اتخاذ قرارات هيكلية مؤلمة أو غير شعبية (كإصلاح أنظمة التقاعد، التعليم، والضرائب). الأحزاب المغربية، المحكومة بهاجس “مشروع الانتخابات”، تخشى اتخاذ مثل هذه القرارات خوفاً من العقاب الانتخابي في المحطة التي تليها بعد خمس سنوات، بالتالي، يتم ترحيل الأزمات وتأجيل الإصلاحات الكبرى، وتُستبدل بالحلول الترقيعية التي تضمن السلم الاجتماعي المؤقت وتلميع الصورة قبل الحملة الانتخابية القادمة.

مخرجات هذا المقال ، إن استمرار الأحزاب السياسية في المغرب كآلات انتخابية تُشغَّل فقط في المواسم لاقتناص المقاعد، وغيابها عن إنتاج “مشاريع دولة” حقيقية، أدى إلى اتساع هوة انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الانتقال من “ديمقراطية الواجهة والمقاعد” إلى “ديمقراطية التنمية والبناء” يتطلب رجة قوية داخل التنظيمات الحزبية؛ رجة تعيد الاعتبار للمثقف والمفكر والمناضل على حساب صائد الأصوات، وتجعل من الحزب مؤسسة لإنتاج الرؤى والسياسات العامة التي تستشرف المستقبل، لا مجرد دكان يفتح أبوابه كل خمس سنوات لتوزيع الوعود وجمع الأصوات. بدون هذا التحول العميق، ستبقى الأحزاب مجرد أرقام في معادلة، وستبقى عبءاً على التنمية بدلاً من أن تكون محركاً لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى