شغب الملاعب بالمغرب: لماذا تعجز القوانين عن ترويض “غول” المدرجات؟ مباراة الرجاء والجيش الملكي كنموذج لظاهرة تتجاوز حدود الرياضة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في الوقت الذي تصنع فيه الجماهير المغربية الحدث عالمياً بلوحاتها الفنية (التيفوهات) وتشجيعها الحضاري الذي أبهر العالم في مناسبات عدة، يطل “غول” شغب الملاعب برأسه بين الفينة والأخرى، ليحول المستطيل الأخضر ومحيطه إلى ساحات حرب مفتوحة، فرغم الترسانة القانونية الصارمة، لا تزال وتيرة العنف تتصاعد، وتعتبر مباريات “الكلاسيكو”، مثل مواجهات الرجاء الرياضي والجيش الملكي، مسرحاً تتجلى فيه هذه الظاهرة بأعنف صورها.
فما الذي يجعل هذه الآفة تستعصي على الحل؟ وما هي الغايات الخفية وراء هذا السلوك المشين؟ وكيف يمكن للمقاربة الشمولية أن تنجح حيث فشلت المقاربة الأمنية وحدها؟
مفارقة القانون والواقع: لماذا لا يردع النص الجنائي؟
أقر المغرب منذ سنوات القانون رقم 09.09 المتعلق بتتميم مجموعة القانون الجنائي حول العنف المرتكب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية، والذي يتضمن عقوبات حبسية وغرامات مالية قاسية، فضلاً عن المنع من ولوج الملاعب، ورغم ذلك، تتوسع رقعة الشغب.
تفسير هذه المفارقة يكمن في قاعدة سوسيولوجية واضحة: “القانون وحده لا يكفي لردع ظاهرة ذات جذور اجتماعية”. في لحظة الشغب، يدخل المشجع فيما يُعرف بـ “سيكولوجية الجماهير” أو “عقلية القطيع “داخل المدرجات، يفقد الفرد هويته الشخصية وخوفه من القانون، ويذوب في هوية جماعية تمنحه إحساساً زائفاً بالقوة والحصانة، الغضب المنفلت هنا لا يفكر في فصول القانون الجنائي، بل تحركه غرائز الانتقام وإثبات الوجود.
الكلاسيكو المتوتر: الرجاء والجيش الملكي كنموذج:
لا يمكن الحديث عن الشغب دون التوقف عند بعض المباريات ذات الحساسية المفرطة، مثل لقاءات الرجاء والجيش الملكي، هذه المباريات تتجاوز كونها 90 دقيقة من كرة القدم لعدة اعتبارات:
-الصراع التاريخي والجغرافي: مواجهة بين قطبي العاصمة الاقتصادية (الدار البيضاء) والعاصمة الإدارية (الرباط)، مما يولد شحنة تنافسية مفرطة.
-الاستفزاز المتبادل: حروب “الكلاشات” عبر منصات التواصل الاجتماعي بين الفصائل التشجيعية (الأولتراس) تسبق المباراة بأسابيع، مما يشحن الأجواء ويجعل الجماهير تدخل الملعب وهي في حالة استنفار نفسي.
-الضغط الرياضي: غالباً ما تكون هذه المباريات حاسمة في تحديد مسار البطولات، مما يرفع منسوب التوتر لدى الجماهير واللاعبين على حد سواء.
غايات الشغب وحدوده: رسائل مشفرة وعنف أعمى:
هذا السلوك المشين ليس مجرد رد فعل عفوي على خسارة مباراة أو خطأ تحكيمي، بل يحمل في طياته غايات أعمق، ولكن بلا حدود عقلانية.
1-الغايات والدوافع:
-التفريغ الاجتماعي (Catharsis): الملعب بالنسبة لشريحة واسعة من الشباب والمراهقين (الذين يعانون من البطالة، التهميش، أو مشاكل أسرية ومدرسية) هو الفضاء الوحيد المتاح للتعبير عن الغضب وإثبات الذات. الشغب هنا هو صرخة لفت انتباه من فئة تشعر بالإقصاء.
-الولاء للقبيلة الجديدة (الأولتراس): يعتبر الانتماء للفصيل التشجيعي بمثابة الانتماء لعائلة أو “قبيلة”. الدفاع عن كرامة هذه القبيلة وفرض السيطرة (Zone of Control) على فصيل الخصم يصبح غاية في حد ذاته، حتى لو تطلب الأمر استعمال العنف.
2-حدود الظاهرة:
الخطير في شغب الملاعب هو انعدام الحدود، يبدأ الأمر بشجار بين مشجعين، ليتطور إلى اقتلاع كراسي المدرجات، ثم يمتد إلى الشوارع خارج الملعب محدثاً تخريباً للممتلكات العامة والخاصة (سيارات، واجهات محلات، حافلات)، ويصل إلى أخطر مراحله بالاعتداء المباشر على قوات الأمن والمواطنين الأبرياء، مما يحول الظاهرة من “شغب رياضي” إلى “تهديد للأمن العام”.
نحو خارطة طريق للإنقاذ: حلول جذرية للإيقاف
إن استئصال هذه الظاهرة يتطلب الانتقال من سياسة “رد الفعل” إلى سياسة “الفعل الاستباقي” والشمولي، عبر المحاور التالية:
أولاً: المقاربة التقنية والأمنية (التحديث والصرامة المنصفة)
-رقمنة الملاعب المتقدمة: تعميم نظام التذاكر الاسمية (المرتبطة برقم البطاقة الوطنية)، وتجهيز جميع الملاعب بكاميرات مراقبة ذكية مزودة بتقنية التعرف على الوجوه (Facial Recognition) لتحديد هوية مثيري الشغب بدقة وسحبهم من المدرجات دون تدخلات أمنية عنيفة قد تزيد من تفاقم الوضع.
-تفعيل عقوبة المنع الفردي: بدلاً من معاقبة الأندية باللعب بدون جمهور (الويكلو) – وهو عقاب جماعي يضر بكرة القدم – يجب تفعيل المنع الفردي لمثيري الشغب من دخول الملاعب لسنوات، مع إجبارهم على إثبات حضورهم في أقسام الشرطة وقت المباريات.
ثانياً: المقاربة الرياضية (مسؤولية الأندية والمنظومة)
-تخليق الخطاب الرياضي: معاقبة المسؤولين، المدربين، واللاعبين الذين يطلقون تصريحات مستفزة أو يشككون في نزاهة المنافسات قبل أو بعد المباريات، لأن الجماهير تتأثر مباشرة بخطاب مسؤوليها.
-تأطير الجماهير: فتح قنوات حوار مؤسساتية حقيقية بين إدارات الأندية والفصائل التشجيعية (الأولتراس)، لتحميلهم جزءاً من مسؤولية التنظيم وتأطير المنخرطين في صفوفهم.
ثالثاً: المقاربة الاجتماعية والتربوية (علاج الجذور)
-إدراك أن الشاب الذي يخرب ممتلكات بلده هو ضحية قبل أن يكون جانياً. يجب تفعيل دور دور الشباب، وتوفير بدائل ترفيهية وثقافية.
-إدماج مادة “التربية على القيم الرياضية والروح الأولمبية” في المناهج الدراسية لغرس ثقافة تقبل الهزيمة واحترام المنافس منذ الصغر.
مخرجات هذا المقال ، إن شغب الملاعب ليس مرضاً في حد ذاته، بل هو “عَرَض” لأمراض اجتماعية وتربوية أعمق. القوانين الزجرية ضرورية كجدار صد أخير، لكن بناء الإنسان وتوفير بيئة رياضية نظيفة وشفافة هو الأساس لكي تعود مدرجاتنا ساحات للفرح، لا ساحات للقتال.



