اخبار منوعة
المرجعية الدينية في إيران بين خطاب الوحدة الإسلامية وحدود الخلاف المذهبي… وأين يقف النموذج المغربي؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
في عالم إسلامي يتجاوز تعداده مليارًا ونصف مليار مسلم، يظل سؤال الوحدة الإسلامية أحد أكثر القضايا الفكرية والسياسية حساسية، وبين الدعوات المتكررة إلى التقارب بين المذاهب الإسلامية، والواقع الجيوسياسي الذي يبرز أحيانًا توترات مذهبية، يبرز نقاش عميق حول طبيعة المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، وعلى رأسها المرجعية الدينية في إيران، وحدود علاقتها بالمذهب السني.
غير أن هذا النقاش لا يكتمل دون استحضار نماذج أخرى داخل العالم الإسلامي استطاعت أن تقدم رؤية مختلفة لإدارة الشأن الديني، ومن بينها المملكة المغربية التي برزت خلال العقود الأخيرة كأحد النماذج الإقليمية في نشر ثقافة التسامح الديني والوسطية والاعتدال.
المرجعية الدينية في إيران: سلطة دينية بطابع سياسي
تقوم البنية الدينية والسياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مبدأ ولاية الفقيه، وهو مفهوم فقهي يرتبط بالمذهب الشيعي الاثني عشري ويمنح الفقيه سلطة دينية وسياسية لقيادة الأمة في زمن غياب الإمام المهدي.
وبذلك أصبحت المرجعية الدينية في إيران جزءًا من بنية الدولة نفسها، حيث تمارس تأثيرًا مباشرًا على:
القرار السياسي ، التوجهات الاستراتيجية ،الخطاب الديني الرسمي.
ومن الناحية النظرية، ترفع القيادة الإيرانية شعار الوحدة الإسلامية وتؤكد في خطابها السياسي والديني على ضرورة التقريب بين المذاهب الإسلامية.
وقد تم إنشاء مؤسسات متعددة لهذا الغرض مثل مؤتمرات التقريب بين المذاهب، إضافة إلى خطاب ديني يدعو إلى تجاوز الخلافات التاريخية بين السنة والشيعة.
بين خطاب الوحدة وتعقيدات الواقع
رغم الخطاب الوحدوي، فإن العديد من الباحثين يرون أن الواقع الجيوسياسي في المنطقة يجعل هذا المشروع محل نقاش واسع.
ففي مناطق متعددة من الشرق الأوسط، تُفسَّر بعض السياسات الإقليمية لإيران على أنها ذات بعد مذهبي أو مرتبطة بتوسيع نفوذها السياسي في المنطقة.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام مشروع الوحدة الإسلامية، حيث يتداخل الديني بالسياسي، وتتحول الاختلافات المذهبية أحيانًا إلى أدوات في الصراع الإقليمي.
الخلاف السني الشيعي: جذور تاريخية أم اختلاف فقهي؟
الخلاف بين السنة والشيعة يعود أساسًا إلى مسألة الخلافة والإمامة بعد وفاة النبي محمد ﷺ.
فالشيعة يرون أن الإمامة حق لأهل البيت، بينما يرى أهل السنة أن نظام الحكم يقوم على الشورى واختيار الأمة لقيادتها.
لكن رغم هذا الخلاف العقدي، فإن الطرفين يشتركان في:
القرآن الكريم، أركان الإسلام ، الإيمان بنبوة محمد ﷺ.
وهذا يعني أن مساحة المشتركات بين المسلمين أكبر بكثير من مساحة الخلاف.
المغرب: نموذج في إدارة التعدد الديني
في خضم هذه النقاشات، برزت المملكة المغربية كنموذج متميز في إدارة الشأن الديني على أساس الوسطية والاعتدال.
ويقوم النموذج الديني المغربي على ثلاث ركائز أساسية:
1-المذهب المالكي في الفقه.
2-العقيدة الأشعرية في الفكر العقدي.
3-التصوف السني في التربية الروحية.
هذا التوازن التاريخي مكّن المغرب من بناء نموذج ديني مستقر حافظ على وحدة المجتمع الدينية ومنع الانقسامات المذهبية الحادة.
دور المغرب في نشر ثقافة الحوار الديني
لم يقتصر الدور المغربي على الداخل فقط، بل أصبح للمغرب حضور متزايد في نشر ثقافة الحوار والتسامح الديني على المستوى الدولي.
وقد تجسد هذا الدور من خلال:
-تكوين الأئمة والمرشدين الدينيين من مختلف الدول الإفريقية والأوروبية.
-نشر خطاب ديني قائم على الاعتدال ومحاربة التطرف.
-دعم الحوار بين الأديان والثقافات.
كما أن مؤسسة إمارة المؤمنين التي يمثلها الملك تشكل إطارًا دينيًا ضامنًا لوحدة المرجعية الدينية وحماية المجال الديني من التوظيف السياسي أو المذهبي.
المغرب والوحدة الإسلامية
إن تجربة المغرب تقدم تصورًا مختلفًا لفكرة الوحدة الإسلامية، حيث لا تقوم على إلغاء الاختلافات المذهبية، بل على إدارة هذا الاختلاف في إطار الاحترام المتبادل والتعايش.
فالوحدة في هذا المنظور لا تعني التطابق الكامل، بل تعني:
احترام التنوع داخل الأمة الإسلامية.
-تعزيز المشتركات الدينية.
-رفض التكفير والصراعات المذهبية.
وهو ما يجعل النموذج المغربي أحد النماذج القادرة على الإسهام في بناء جسور التقارب بين المسلمين.
بين التجربة الإيرانية والنموذج المغربي
عند مقارنة التجربتين، يظهر اختلاف واضح في طبيعة المقاربة الدينية.
فبينما ترتكز التجربة الإيرانية على مرجعية مذهبية مرتبطة بالشيعية السياسية، يقوم النموذج المغربي على مرجعية سنية معتدلة تسعى إلى تحييد الدين عن الصراعات الإقليمية.
وهذا لا يعني بالضرورة تعارض المشروعين، لكنه يبرز اختلافًا في الفلسفة الدينية والسياسية لكل منهما.
نحو مستقبل قائم على التعايش
إن مستقبل العلاقات بين السنة والشيعة لن يُبنى على إلغاء الاختلافات التاريخية، بل على إدارة هذه الاختلافات بحكمة.
وفي هذا السياق، يمكن للنماذج المعتدلة في العالم الإسلامي – مثل النموذج المغربي – أن تلعب دورًا مهمًا في:
نشر ثقافة الحوار، تعزيز قيم التسامح،
بناء رؤية مشتركة لوحدة الأمة الإسلامية.
فالتحدي الحقيقي اليوم ليس في توحيد المذاهب، بل في توحيد الجهود لبناء مستقبل مشترك للأمة الإسلامية.
مخرجات هذا المقال ، يبقى مشروع الوحدة الإسلامية حلمًا مشروعًا يراود المسلمين منذ قرون، لكنه يواجه تحديات سياسية ومذهبية معقدة.
وفي الوقت الذي تقدم فيه بعض التجارب خطابًا وحدويًا مشروطًا بالسياق السياسي، تبرز تجارب أخرى – مثل تجربة المملكة المغربية – كنموذج عملي لإدارة التعدد المذهبي في إطار الاعتدال والتسامح والتعايش.
ولعل الطريق الأقرب إلى وحدة الأمة لا يمر عبر فرض رؤية مذهبية واحدة، بل عبر ترسيخ ثقافة الحوار واحترام التنوع والاعتدال والوسطية .



