منازعات الأرباح العقارية بالمغرب عندما تتحول الإدارة الضريبية إلى خصم وحكم في آن واحد

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
تشكل الضريبة على الأرباح العقارية إحدى أهم الموارد الجبائية للدولة، لكنها في المقابل تعد من أكثر أنواع الضرائب إثارة للنزاعات بين الملزمين والإدارة الضريبية. فبمجرد إيداع التصريح بالأرباح العقارية، قد يجد المواطن أو الشركة أنفسهم أمام مراجعة ضريبية تنتهي بإشعار بأداء مبالغ تكميلية قد تصل في بعض الحالات إلى مئات الآلاف أو ملايين الدراهم، وهو ما يفتح الباب أمام مسطرة المنازعة والتصالح.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في قيمة الضريبة المطالب بها، وإنما في طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين الإدارة والملزم، حيث يشعر هذا الأخير بأنه يواجه جهازاً يمتلك المعرفة القانونية والخبرة التقنية وسلطة التقدير، بينما يفتقد هو في الغالب إلى أبسط أدوات الدفاع عن حقوقه.
بداية النزاع من التصريح إلى المراجعة
الأصل أن يقوم الملزم بالتصريح بعملية التفويت وفق المقتضيات القانونية، مستنداً إلى ثمن الاقتناء وثمن البيع والوثائق المثبتة للمصاريف والرسوم والتحسينات.
لكن الإدارة الضريبية لا تعتبر هذا التصريح نهائياً، إذ يمنحها القانون صلاحية مراجعته والتأكد من صحة المعطيات المصرح بها، سواء من خلال مقارنة الأسعار المرجعية أو مراجعة الوثائق أو إعادة تقييم بعض العناصر المؤثرة في احتساب الربح العقاري.
وعندما تعتبر الإدارة أن التصريح لا يعكس القيمة الحقيقية أو أن بعض المصاريف غير مبررة أو أن الثمن المصرح به يقل عن القيمة التي تعتمدها، تقوم بتوجيه إشعار بالتصحيح أو بالمراجعة، يتضمن غالباً ضريبة إضافية مع الغرامات والزيادات عند الاقتضاء.
جلسة الصلح هل هي تفاوض أم مواجهة غير متكافئة؟
بعد اعتراض الملزم، يتم في كثير من الحالات استدعاؤه إلى جلسة للتصالح داخل المديرية الإقليمية للضرائب.
وتضم هذه الجلسة عادة المدير الإقليمي أو من ينوب عنه، ورئيس المصلحة المكلفة بالتفويتات العقارية، والمفتش الذي أنجز الملف، إضافة إلى الملزم أو من يمثله.
من الناحية الشكلية، تبدو الجلسة فرصة للوصول إلى حل ودي، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يتحقق فعلاً مبدأ تكافؤ الأطراف؟
فالطرف الأول هو الإدارة التي أنجزت المراجعة، وحددت مبلغ الضريبة، وأعدت الملف، وهي نفسها التي تدير جلسة الصلح وتتخذ القرار النهائي داخل المرحلة الإدارية.
أما الطرف الثاني فهو ملزم غالباً لا يتوفر على تكوين ضريبي متخصص، ولا يعرف خبايا المساطر الجبائية، ولا يحيط بالاجتهادات القضائية أو المناشير الإدارية التي قد تدعم موقفه.
وهنا يبرز شعور مشروع لدى كثير من الملزمين بأن الإدارة تؤدي في الوقت نفسه دور الخصم الذي يدافع عن تقديراته، ودور الحكم الذي يقرر قبول الاعتراض أو رفضه.
اختلال في ميزان المعرفة قبل اختلال ميزان القوة
في المنازعات الضريبية، لا تكمن المشكلة فقط في السلطة القانونية التي تتمتع بها الإدارة، وإنما أيضاً في الفجوة المعرفية.
فالإدارة تعتمد على فرق متخصصة تضم مفتشين ومراقبين وخبراء في التشريع الجبائي، بينما يحضر عدد كبير من الملزمين بمفردهم، دون مستشار ضريبي أو محام متخصص أو خبير محاسبي.
ويجد الملزم نفسه مطالباً بالرد على دفوع تقنية تتعلق بالقيمة المرجعية، ومعايير إعادة التقييم، وآجال التقادم، والإعفاءات، وإثبات المصاريف، وقواعد الإثبات، والمقتضيات الإجرائية، وهي مسائل يصعب على غير المتخصص الإحاطة بها.
وفي كثير من الأحيان، يقبل الملزم التسوية المقترحة ليس لأنه اقتنع بصحتها، وإنما خوفاً من استمرار النزاع أو بسبب جهله بالوسائل القانونية المتاحة للطعن.
هل الإدارة خصم أم سلطة محايدة؟
قانونياً، الإدارة ليست خصماً بالمعنى القضائي، بل هي سلطة إدارية مكلفة بتطبيق القانون وحماية المال العام.
غير أن الواقع العملي يجعلها طرفاً مباشراً في النزاع، لأنها صاحبة قرار التصحيح وصاحبة الدفاع عنه خلال المرحلة الإدارية.
ومن هنا تنبع المطالب المتزايدة بتعزيز ضمانات الحياد والشفافية داخل مساطر المراجعة والتصالح، حتى يشعر الملزم بأن حقوقه تحظى بالحماية نفسها التي تحظى بها حقوق الخزينة.
اللجوء إلى اللجان الضريبية ضمانة تحتاج إلى تفعيل
وإذا تعذر التوصل إلى اتفاق، يتيح القانون، وفق الحالات والشروط المنصوص عليها، عرض النزاع على اللجان الضريبية المختصة، التي يفترض أن تشكل مرحلة أكثر استقلالاً في فحص بعض المنازعات، قبل اللجوء إلى القضاء الإداري.
غير أن فعالية هذه اللجان ترتبط بسرعة البت، وكفاءة أعضائها، ومدى استقلالية تقييمهم، مع ضرورة تمكين الملزم من عرض دفوعه ووثائقه بصورة كاملة.
القضاء الإداري الملاذ الأخير
يبقى القضاء الإداري الضامن الأساسي للرقابة على مشروعية القرارات الجبائية.
وقد ساهمت المحاكم الإدارية ومحكمة النقض عبر العديد من الاجتهادات في تكريس مبادئ جوهرية، من بينها:
* إلزام الإدارة باحترام المساطر القانونية تحت طائلة البطلان.
* ضرورة تعليل القرارات الضريبية تعليلاً كافياً.
* حماية حقوق الدفاع وتمكين الملزم من تقديم ملاحظاته.
* إخضاع تقديرات الإدارة لرقابة القضاء متى افتقرت إلى الأساس القانوني أو الواقعي.
وتؤكد هذه المبادئ أن السلطة التقديرية للإدارة ليست سلطة مطلقة، وإنما تخضع لرقابة القضاء حمايةً لمبدأ المشروعية.
نحو عدالة جبائية أكثر توازناً
إن تحقيق العدالة الضريبية لا يعني فقط استخلاص الضرائب المستحقة، بل يقتضي أيضاً ضمان احترام حقوق الملزمين، وإرساء علاقة قائمة على الثقة والشفافية.
ومن بين الإصلاحات التي يمكن أن تعزز هذا التوازن:
* تعميم المواكبة القانونية والإرشاد الضريبي لفائدة الملزمين.
* تبسيط النصوص والمساطر الجبائية.
* تعزيز استقلالية آليات الوساطة واللجان الضريبية.
* إلزام الإدارة بتسبيب قراراتها بصورة أكثر تفصيلاً.
* تشجيع الحلول التوافقية القائمة على الحوار الحقيقي، لا على تفاوض يختل فيه ميزان المعرفة.
مخرجات هذا البحث ،إن منازعات الأرباح العقارية ليست مجرد خلاف حول مبلغ ضريبي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة المنظومة الجبائية على تحقيق التوازن بين حق الدولة في تحصيل مواردها وحق المواطن في محاكمة إدارية عادلة تحترم مبادئ الشفافية والمساواة وتكافؤ وسائل الدفاع.
فالعدالة الجبائية لا تقاس فقط بحجم الضرائب المستخلصة، وإنما أيضاً بمدى شعور الملزم بأن صوته مسموع، وأن دفوعه نوقشت بموضوعية، وأن القانون هو الحكم الحقيقي بينه وبين الإدارة، لا ميزان القوة أو الخبرة أو السلطة.



