من المسيرة الخضراء إلى مكاسب الدبلوماسية الملكية المغرب يرسخ موقعه في صحرائه

ذا عمر العرباوي ـ مدير النشر
تحمل ذكرى المسيرة الخضراء، التي يخلدها المغاربة في السادس من نونبر من كل سنة، دلالة تتجاوز استحضار حدث تاريخي؛ فهي تجدد معاني الوحدة الوطنية والتلاحم بين العرش والشعب، وتستحضر مساراً من التضحيات والعمل المتواصل دفاعاً عن الوحدة الترابية للمملكة.
ففي السادس من نونبر 1975، جسدت المسيرة الخضراء، بقيادة المغفور له الحسن الثاني، قدرة المغرب على الجمع بين المبادرة السياسية والتعبئة الشعبية السلمية، ومنذ تلك المحطة، اختزلت عبارة «المغرب في صحرائه» ثبات الموقف الوطني، فيما منحتها التحولات الدبلوماسية المتراكمة امتداداً دولياً أوسع.
وفي عهد جلالة الملك محمد السادس، اكتسب تدبير الملف أبعاداً جديدة، جمعت بين وضوح الثوابت وتقديم الحلول وتنويع الشراكات وتعزيز تنمية الأقاليم الجنوبية. وتبرز خصوصية هذه المقاربة في العمل طويل النفس، وتحويل المبادرات المتتابعة إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية.
وكان تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 منعطفاً أساسياً؛ إذ طرح المغرب تصوراً يمنح سكان المنطقة صلاحيات لتدبير شؤونهم ضمن السيادة المغربية ووحدة الدولة، وبذلك اقترن الدفاع عن الموقف الوطني بمشروع مؤسساتي قابل للتفاوض، استطاع استقطاب تأييد دولي متنامٍ.
وتجسد هذا التحول في اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء سنة 2020، وتأكيد فرنسا سنة 2024 أن حاضر الإقليم ومستقبله يندرجان في إطار هذه السيادة، إلى جانب دعم إسبانيا وبريطانيا للمبادرة المغربية أساساً للتسوية. ورغم اختلاف هذه المواقف بين الاعتراف بالسيادة وتأييد الحكم الذاتي، فإنها تعكس اتساع التقارب الدولي مع التصور المغربي للحل.
وبموازاة الدبلوماسية، احتلت التنمية موقعاً مركزياً في الرؤية الملكية، خصوصاً مع إطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية سنة 2015 بغلاف مالي أولي بلغ 77 مليار درهم، وقد ربط هذا الاختيار مستقبل المنطقة بتطوير البنية التحتية والاستثمار وتحسين شروط العيش، بما يجعل استفادة السكان من التنمية رهاناً أساسياً لترسيخ الاستقرار.
وعلى المستوى الأممي، مثّل القرار 2797 لسنة 2025 تقدماً مهماً باتخاذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع استمرار التأكيد على حل سياسي نهائي ومقبول للأطراف، ثم جاء عدم تجديد ولاية «مينورسو» في نهاية أكتوبر 2026، إثر تعذر اعتماد مشروعي قرار داخل مجلس الأمن، ليفتح مرحلة جديدة اعتبرها المغرب خطوة مهمة نحو إغلاق الملف، وتقتضي الدقة التمييز بين انتهاء الولاية وبين اكتمال الانسحاب أو تحقق التسوية النهائية، فهذه نتائج لا تترتب تلقائياً على عدم التجديد.
وتكتسب ذكرى المسيرة الخضراء، في ضوء هذه التطورات، معنى متجدداً يربط إرث المغفور له الحسن الثاني بالرؤية التي يقود بها العاهل المغربي محمد السادس حفظه الله مسار الدفاع عن الوحدة الترابية، إنها مناسبة لاستحضار التضحيات، وتقدير المكاسب، وتجديد الالتزام بمواصلة العمل الدبلوماسي والتنموي، حتى يترجم التقدم المحرز إلى سلام مستدام ومستقبل يضمن لسكان المنطقة الأمن والكرامة والازدهار.



