اخبار منوعة

من سياسة الباب المغلق إلى أبواب مفتوحة على المواطن المسؤولية تُبنى بالإنصات والحضور

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

لا يمكن الحديث عن إدارة ناجعة وديمقراطية تشاركية حقيقية من دون التأكيد على أن أبواب المسؤولين يجب أن تظل مفتوحة أمام المواطنين، فالمسؤولية ليست منصبًا يعزل صاحبه عن الناس، ولا مكتبًا تحيط به الحواجز والمواعيد المعقدة، بل هي التزام بالإنصات والتواصل والاستجابة، وقرب دائم من انشغالات المجتمع وانتظاراته.

إن فتح أبواب المسؤول أمام المواطنين لا يعني الفوضى أو تجاوز المؤسسات، بل يعكس وعيًا بأن الإدارة وُجدت لخدمة الناس، وأن المواطن شريك أساسي في تشخيص الاختلالات واقتراح الحلول وتتبع تنفيذها. فحين يجد المواطن من يستمع إليه باهتمام، ويجيبه بوضوح، ويوجهه إلى الجهة المختصة، تتعزز ثقته في المؤسسات ويشعر بأن صوته مسموع ومطالبه محل اعتبار.

وتظل التقارير الإدارية والمعطيات الرسمية أدوات ضرورية لاتخاذ القرار، لكنها لا تغني عن التواصل المباشر والمعاينة الميدانية، فزيارة الأحياء والمرافق العمومية والأوراش، واستقبال السكان والفاعلين المدنيين والمهنيين، تتيح للمسؤول فهم الواقع كما هو، والوقوف على تفاصيل قد لا تظهر في التقارير، ومعرفة الفارق بين ما يُعلن وما يُنجز.

ومن هذا المنطلق، ينبغي الانتقال من منطق الباب المغلق إلى ثقافة الأبواب المفتوحة، حيث يكون مكتب المسؤول فضاءً للتواصل لا حاجزًا أمام المواطن، فالمسؤول الذي يفتح بابه للناس لا يكتفي باستقبال الشكايات، بل يؤسس لعلاقة قائمة على الثقة والاحترام والوضوح، ويمنح المواطنين فرصة التعبير عن قضاياهم بعيدًا عن الوسطاء والانتظار الطويل.

غير أن فتح الأبواب لا ينبغي أن يظل مجرد شعار أو مناسبة إعلامية، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة مؤسساتية منتظمة، من خلال تخصيص أوقات واضحة للاستقبال، وتوفير قنوات متعددة للتواصل، وضمان الرد على الطلبات والشكايات، مع توضيح ما يمكن إنجازه والآجال المطلوبة وأسباب التأخر أو التعذر.

كما أن الإنصات الحقيقي يقتضي إشراك المواطنين في تحديد الأولويات واقتراح الحلول وتقييم النتائج، فالمواطن لا يريد فقط أن يُستقبل، بل يريد أن يرى أثرًا ملموسًا لما يطرحه من قضايا. لذلك، ينبغي أن تتحول الشكايات والملاحظات إلى معطيات تساعد على تحسين الخدمات وتصحيح الاختلالات، لا أن تبقى حبيسة الملفات والمراسلات.

ولكي تكون سياسة الأبواب المفتوحة فعالة، لا بد من ربطها بالمسؤولية والمتابعة، فاستقبال المواطن هو بداية المسار، وليس نهايته، ويتعين تحديد الجهة المختصة، وترتيب التدخلات بحسب الأولوية والاستعجال، ووضع آجال معقولة، ثم إخبار المعنيين بمراحل التنفيذ ونتائجه، فالثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بالوضوح والالتزام والإنجاز.

ويظل الإنصاف شرطًا أساسيًا في هذه السياسة، إذ يجب أن تكون أبواب المسؤول مفتوحة أمام الجميع، بمن فيهم سكان الأحياء الهامشية والمناطق الأقل استفادة والفئات التي تواجه صعوبة في إيصال صوتها، فلا ينبغي أن يكون القرب امتيازًا لفئة معينة أو رهينًا بالقدرة على الوصول إلى أصحاب القرار.

إن المسؤول الناجح هو من يجعل مكتبه مفتوحًا، وميدانه حاضرًا، وأذنه منصتة، وقراره مرتبطًا بحاجات المواطنين، فالمسؤولية الحقيقية لا تُقاس بعلو المنصب أو اتساع المكتب، بل بمدى القرب من الناس والقدرة على الاستماع إليهم والاستجابة لانشغالاتهم.

إن فتح أبواب المسؤولين أمام المواطنين ليس مجرد سلوك إداري، بل هو تعبير عن احترام المواطن وترسيخ لثقافة المشاركة وربط للمسؤولية بالمحاسبة، وحين تتحول الأبواب المفتوحة إلى قرارات منصفة، وخدمات أفضل، ونتائج ملموسة، تصبح الثقة واقعًا، وتستعيد المؤسسات مكانتها باعتبارها فضاءً لخدمة المجتمع لا حاجزًا بينه وبين من يتولى تدبير شؤونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى