اخبار منوعة

حين تتحول المنافسة الانتخابية إلى ترهيب: العنف لا يصنع الديمقراطية

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، يفترض أن تدخل الأحزاب السياسية والمرشحون إلى ميدان المنافسة من بوابة البرامج والأفكار والحجة والإقناع، لا من بوابة الترهيب والاعتداء وتخريب المقرات واستعمال مجموعات من الأشخاص لفرض منطق القوة على الخصوم.

فالانتخابات في جوهرها منافسة سلمية على ثقة المواطن، وليست حرباً بين المتنافسين.

ومن هنا، فإن أي سلوك يقوم على الاعتداء على مقرات الأحزاب، أو تخريب الممتلكات، أو تهديد المناضلين، أو الاعتداء الجسدي عليهم، أو محاولة منع الخصوم من التواصل مع الناخبين، يشكل انحرافاً خطيراً عن المعنى الحقيقي للمنافسة الديمقراطية.

الديمقراطية لا تُقاس بعدد “البلطجية” وإنما بعدد الأصوات

السياسي الذي يمتلك مشروعاً مقنعاً لا يحتاج إلى القوة لفرض نفسه، والمرشح الواثق من برنامجه لا يخشى أن يتحدث خصمه أمام المواطنين.

المنافسة الديمقراطية لها أدواتها المعروفة: البرنامج، الخطاب، الحجة، التواصل، النقد، المقارنة، والإقناع.

أما عندما يدخل العنف إلى المشهد الانتخابي، فإن ذلك يكشف عن محاولة لاستبدال صندوق الاقتراع بمنطق القوة، واستبدال إرادة الناخب بالخوف.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد مخالفة انتخابية؛ لأنه يتعلق بصورة الممارسة السياسية وبالثقة في العملية الديمقراطية نفسها.

استهداف المقرات السياسية اعتداء على فضاء التعددية

مقر الحزب السياسي ليس مجرد بناية أو مكتب إداري، بل هو فضاء لممارسة حق سياسي ودستوري، ومن ثم فإن الاعتداء عليه أو تخريبه لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلاف بين أنصار مرشحين.

إنه مساس بحرية العمل السياسي وبحق التنظيم والتواصل والتعبير.

والأخطر من ذلك أن الاعتداء على المقرات قد يخلق مناخاً من الخوف لدى المناضلين والمتعاطفين والناخبين، فيصبح المواطن متردداً في حضور لقاء انتخابي أو إعلان موقف سياسي خشية التعرض للتهديد أو المضايقة.

وهذا تحديداً هو عكس الغاية التي يفترض أن تحققها الانتخابات.

الترهيب الانتخابي يقتل المنافسة قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع

القانون الانتخابي المغربي لا ينظر إلى التأثير على إرادة الناخب بالعنف أو التهديد أو التخويف باعتباره سلوكاً عادياً؛ فالمقتضيات الانتخابية تتضمن تجريم ممارسات تهدف إلى التأثير على التصويت بواسطة الاعتداء أو العنف أو التهديد والتخويف.

وهذا أمر منطقي، لأن حرية التصويت لا تعني فقط أن يجد المواطن صندوقاً للاقتراع، وإنما تعني أيضاً أن يصل إليه وهو حر الإرادة، بعيداً عن الخوف والضغط والإكراه.

لذلك فإن استعمال العنف ضد المنافسين أو الناخبين يمكن أن يتحول من مجرد سلوك فوضوي إلى مسألة تمس جوهر سلامة العملية الانتخابية.

من يقف خلف “البلطجة” السياسية؟

إذا ثبت أن الاعتداءات ليست أحداثاً عفوية، وإنما يتم تنظيمها أو تمويلها أو توجيهها من طرف أشخاص أو جهات انتخابية، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة.

فاستعمال أشخاص خارج التنظيم السياسي لتنفيذ الاعتداءات أو تخويف الخصوم لا يعفي المسؤول الحقيقي من المسؤولية الأخلاقية والقانونية، متى ثبتت علاقته بالفعل.

وهنا تظهر أهمية التحقيق الجدي والمحايد في كل واقعة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، بعيداً عن الاتهامات السياسية المتبادلة.

فالانتخابات النزيهة لا تحتاج فقط إلى صناديق اقتراع نزيهة، وإنما تحتاج أيضاً إلى بيئة انتخابية آمنة تسمح لكل مرشح وكل حزب بممارسة حقه في المنافسة.

العنف الانتخابي يسيء إلى صورة الأحزاب قبل أن يسيء إلى خصومها

المفارقة أن الجهة التي تستخدم الترهيب قد تتصور أنها تضعف خصومها، بينما هي في الحقيقة تضعف صورتها أمام المواطن.

فالناخب المغربي لم يعد ينظر فقط إلى من يقدم الوعود، وإنما أصبح معنياً أيضاً بالسؤال عن أخلاق الممارسة السياسية.

كيف يمكن لمرشح أن يتحدث عن دولة القانون والمؤسسات ومحاربة الفساد والحكامة الجيدة، بينما تتحول حملته الانتخابية إلى مشاهد من العنف أو التخويف أو الاعتداء؟

وكيف يمكن لحزب أن يطالب المواطن بالثقة في المؤسسات إذا كان بعض المحسوبين عليه لا يحترمون حق المنافس السياسي في الوجود والتعبير؟

الاختلاف السياسي ليس عداءً شخصياً:

من أخطر الأمراض التي يمكن أن تصيب الحياة السياسية تحويل المنافسة الانتخابية إلى عداوة شخصية.

فالمرشح المنافس ليس عدواً، والحزب المنافس ليس خصماً للوطن، والاختلاف في البرامج والمواقف لا يبرر الاعتداء أو التشهير أو التخويف.

بعد إعلان النتائج، سيبقى الجميع مواطنين في وطن واحد، وستظل المؤسسات قائمة، بينما تنتهي الحملات الانتخابية وتختفي الشعارات.

لذلك ينبغي أن يكون الخلاف السياسي خلافاً حول المشاريع والسياسات والاختيارات، لا حول الأشخاص وكرامتهم وسلامتهم الجسدية.

المطلوب: الحزم القانوني والوعي السياسي

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مسارين متوازيين:

الأول، مسار قانوني وزجري: من خلال التعامل الحازم مع أي اعتداء أو تهديد أو تخريب، وإجراء التحقيقات اللازمة وترتيب المسؤوليات على أساس الأدلة، دون انتقائية أو حسابات سياسية.

والثاني، مسار سياسي وأخلاقي: تتحمل فيه الأحزاب والمرشحون مسؤوليتهم في ضبط أنصارهم، ورفض خطاب الكراهية والتحريض، والتأكيد بأن الفوز الانتخابي لا يمكن أن يكون مبرراً لانتهاك القانون.

وقد أعلنت السلطات المغربية، في إطار تنظيم انتخابات 2026، عن وجود ضوابط قانونية وإجراءات زجرية مرتبطة بالحملة الانتخابية بهدف ضمان اقتراع نزيه وشفاف.

المعركة الحقيقية هي معركة ثقة:

في نهاية المطاف، ليست المعركة الانتخابية الحقيقية بين حزب وحزب، ولا بين مرشح ومرشح، وإنما هي معركة من أجل كسب ثقة المواطن.

ومن يعتقد أن تخريب مقر منافس أو الاعتداء على مناضليه سيقوده إلى البرلمان، فهو لم يفهم جوهر الديمقراطية.

الديمقراطية لا تنتصر بالصوت المرتفع، ولا بالعنف، ولا بعدد الأشخاص الذين يستطيع المرشح حشدهم في الشارع.

الديمقراطية تنتصر عندما يستطيع المرشح أن يقنع المواطن بأن مشروعه أفضل، وأن كفاءته أكبر، وأن نزاهته أصدق، وأن قدرته على خدمة الصالح العام أقوى.

أما الترهيب، فإنه قد يفرض الصمت مؤقتاً، لكنه لا يصنع الشرعية.

مخرجات هذا المقال ، إن الانتخابات التشريعية ليست مناسبة لإطلاق العنان للفوضى، وإنما هي امتحان حقيقي لنضج الحياة السياسية.

ومن ثم، فإن الاعتداء على المقرات والمناضلين، إذا ثبت وقوعه، يجب ألا يُتعامل معه باعتباره مجرد “مشاجرات انتخابية”، بل باعتباره سلوكاً يستوجب التحقيق والمساءلة، لأن حرية المنافسة السياسية لا تكتمل إلا بحماية الحق في الاختلاف، وحماية المرشحين والمناضلين والناخبين من العنف والترهيب.

وفي دولة المؤسسات، تبقى صناديق الاقتراع هي السلاح الديمقراطي الوحيد المسموح به لحسم التنافس السياسي.

ومن يريد الوصول إلى البرلمان، فليدخل إليه من باب المواطن، لا من باب الخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى