اخبار وطنية

عندما تحتكر الحكومة صناعة القوانين… هل تتراجع الديمقراطية التشاركية في المغرب؟

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

بين النص الدستوري والممارسة السياسية… من يكتب القانون باسم المواطنين؟

منذ اعتماد دستور 2011، راهن المغاربة على بناء ديمقراطية تشاركية تجعل المواطن شريكا في صناعة القرار العمومي، لا مجرد متلق لنتائجه، فقد جاء الدستور بمقتضيات متقدمة تتحدث عن إشراك المجتمع المدني، والحق في تقديم العرائض والملتمسات في مجال التشريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور البرلمان باعتباره المؤسسة الدستورية التي تمثل الأمة.

غير أن الواقع التشريعي يطرح اليوم سؤالا جوهريا: هل ما تزال المبادرة التشريعية مشتركة فعلا بين الحكومة والبرلمان؟ أم أن الحكومة أصبحت الفاعل شبه الوحيد في صناعة القوانين، بينما تحول البرلمان إلى فضاء للمناقشة والمصادقة أكثر منه فضاء للإبداع التشريعي؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر مع الجدل الذي أثاره مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي أعاد إلى الواجهة نقاشا أعمق حول حدود الديمقراطية التشاركية، ومدى إشراك المجتمع في التشريعات التي تمس حقوقه وحرياته.

لقد منح الفصل 78 من الدستور الحكومة وأعضاء البرلمان معا حق المبادرة التشريعية، وهو ما يعكس من الناحية النظرية مساواة دستورية في اقتراح النصوص القانونية، إلا أن الممارسة تكشف وجود تفاوت واضح بين الطرفين.

فالحكومة تمتلك الإدارة العمومية، والخبرة التقنية، والموارد البشرية، والدراسات القطاعية، كما تستفيد غالبا من الأغلبية البرلمانية التي تيسر تمرير مشاريعها داخل البرلمان.

في المقابل، يواجه النواب والمستشارون صعوبات متعددة، سواء على مستوى الإمكانيات التقنية أو الزمن التشريعي أو الأولويات التي تحددها الحكومة، وهو ما يجعل عددا كبيرا من مقترحات القوانين البرلمانية يبقى حبيس رفوف اللجان لسنوات دون أن يرى النور.

وهنا تبرز مفارقة دستورية وسياسية؛ فالمساواة التي يقررها النص الدستوري لا تجد دائما ترجمتها الكاملة في الواقع العملي.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعلاقة الحكومة بالبرلمان، بل بعلاقة التشريع بالمواطن.

فدستور 2011 لم يكتف بإقرار الديمقراطية التمثيلية، بل أرسى أيضا مفهوم الديمقراطية التشاركية، باعتبارها آلية لإشراك المواطنين والمجتمع المدني في إعداد السياسات العمومية والقوانين.

غير أن هذا المبدأ يظل ناقص الفعالية عندما تقتصر المشاورات على المؤسسات الرسمية أو الهيئات المهنية، دون فتح نقاش عمومي واسع يشارك فيه المواطنون والخبراء والجامعات والجمعيات الحقوقية ومراكز البحث ووسائل الإعلام.
فالقانون لا يهم المؤسسات وحدها، بل ينظم حياة المجتمع بأكمله.

ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع التساؤل حول مدى اتساع دائرة التشاور بشأن مشروع قانون المحاماة.
فالحكومة تؤكد أن المشروع جاء بعد مشاورات امتدت لسنوات مع الهيئات المهنية والمؤسسات القضائية، وهو معطى لا يمكن تجاهله.

لكن في المقابل، يرى عدد من المتابعين أن النقاش العمومي ظل محدودا، وأن المواطنين، باعتبارهم المستفيدين النهائيين من خدمات العدالة، لم يكونوا طرفا مباشرا في هذا النقاش الوطني.

ولا يتعلق الأمر بالطعن في شرعية المشروع أو دستوريته، وإنما بطرح سؤال حول جودة المسار التشريعي نفسه.

فكلما اتسعت دائرة النقاش، ازدادت شرعية القانون وقابليته للتطبيق.

والتجارب الديمقراطية الحديثة لم تعد تعتبر التشاور مجرد إجراء شكلي، بل مرحلة أساسية لتحسين جودة التشريع وتقوية الثقة في المؤسسات.

إن الديمقراطية التشاركية لا تعني أن يصوت المواطن على كل قانون، وإنما تعني أن يكون له الحق في الاطلاع والمناقشة وإبداء الرأي قبل أن يصبح القانون ملزما للجميع.

وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يطور ممارساته التشريعية من خلال نشر مشاريع القوانين في مرحلة مبكرة، وإطلاق استشارات إلكترونية وطنية، والاستماع إلى الجامعات ومراكز البحث والجمعيات المهنية والحقوقية، وإعداد تقارير تبين كيف تم التعامل مع الملاحظات الواردة من المجتمع.

إن قوة القانون لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي صادقت عليه داخل البرلمان، وإنما أيضا بمدى اقتناع المجتمع بعدالته وشفافية مسار إعداده.
ويبقى مشروع قانون المحاماة نمو

ذجا للنقاش الأوسع حول مستقبل التشريع في المغرب: هل نكتفي بالمشروعية الدستورية والإجرائية، أم نسعى أيضا إلى تعزيز المشروعية المجتمعية التي تجعل المواطن شريكا حقيقيا في صناعة القاعدة القانونية؟

إن دستور 2011 فتح الباب أمام هذا الطموح، لكن نجاحه يظل رهينا بإرادة سياسية وتشريعية تجعل المشاركة المجتمعية ممارسة مؤسساتية دائمة، لا مجرد شعار دستوري .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى