اخبار منوعة

23 شتنبر 2026 يوم الاختبار الحقيقي للسياسة والنخبة والناخب المغربي

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

مع إسدال الستار، مساء اليوم 22 شتنبر 2026، على الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، يدخل المغرب مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز: غداً يوم الاقتراع، وغداً يبدأ اختبار الاختيار والمسؤولية والمصداقية.

فابتداءً من يوم 23 شتنبر، لن يكون المجال مفتوحاً أمام الشعارات والخطابات والوعود الانتخابية، وإنما أمام صناديق الاقتراع التي ستترجم اختيارات المواطنين إلى خريطة سياسية وبرلمانية جديدة.

وتأتي هذه الانتخابات لانتخاب 395 عضواً بمجلس النواب، في سياق تنافست فيه 27 هيئة سياسية، وبلغ عدد الترشيحات 7288 ترشيحاً موزعة على 1850 لائحة، وهو ما يعكس حجم المنافسة التي عرفها هذا الاستحقاق.

غداً لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيحصل على المقعد؟

بل ينبغي أن يكون السؤال الأعمق: أي نوع من التمثيلية السياسية نريد؟ وأي مستوى من المسؤولية ننتظر من النخبة المقبلة؟

فالانتخابات ليست مجرد عملية تقنية لإيداع الأوراق في صناديق الاقتراع، وإنما هي إحدى أهم آليات إنتاج الشرعية السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هنا، يصبح الناخب مطالباً بأن يجعل اختياره قائماً على قدر من التروي والتبصر، وأن يوازن بين العقل والقناعة والضمير، بعيداً عن الانفعال والوعود السريعة والاعتبارات الشخصية أو الضغوط الاجتماعية.

والاختيار الديمقراطي لا يعني البحث عن المرشح المثالي، وإنما البحث عن المرشح أو اللائحة التي تقدم برنامجاً قابلاً للفهم والمساءلة، وتتوفر فيها مقومات الجدية والنزاهة والقدرة على ممارسة الوظيفة التشريعية والرقابية.

انتهت الحملة الانتخابية، وانتهى معها زمن تقديم الوعود.

والمرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة، لأن المواطن لن يقيس أداء الأغلبية والمعارضة المقبلة بعدد الخطب أو حجم التجمعات الانتخابية، وإنما بما تستطيع المؤسسة التشريعية والحكومة المقبلة إنجازه على أرض الواقع.

فالناخب يريد إجابات عملية عن أسئلة تمس حياته اليومية:

كيف يمكن تحسين القدرة الشرائية؟

كيف يمكن مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة؟

كيف يمكن خلق فرص شغل حقيقية ومستدامة؟

كيف يمكن تحسين المدرسة العمومية والخدمات الصحية؟

كيف يمكن تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية؟

كيف يمكن حماية الحقوق والحريات في إطار دولة القانون؟

وكيف يمكن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات؟

هذه ليست مطالب انتخابية عابرة، بل تحديات بنيوية ستحدد مستوى الثقة في المرحلة السياسية المقبلة.

الاقتصاد يعطي إشارات إيجابية.. لكن التحديات الاجتماعية مستمرة

الصورة الاقتصادية لا يمكن اختزالها في خطاب تشاؤمي أو تفاؤلي مطلق.

فالمعطيات المنشورة من طرف المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى توقع نمو اقتصادي سنوي استكشافي في حدود 4.8% خلال سنة 2026، وهو مؤشر يعكس وجود دينامية اقتصادية، مع استمرار الحاجة إلى تحويل النمو إلى فرص شغل وتحسن ملموس في مستوى عيش الأسر.

وفي المقابل، أظهرت معطيات مؤشر أسعار الاستهلاك لشهر يوليوز 2026 انخفاضاً شهرياً بـ1%، مع تراجع أسعار المواد الغذائية بـ1.9%، بينما سجلت بعض مكونات الأسعار غير الغذائية ارتفاعات، ومنها النقل مقارنة بالسنة السابقة.

وهنا تكمن إحدى أهم الإشكالات السياسية المقبلة:

المواطن لا يقيس الاقتصاد بالأرقام وحدها، وإنما بما يشعر به داخل بيته وفي سوقه وفي عمله وفي قدرته على مواجهة النفقات اليومية.

وبالتالي فإن التحدي الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون فقط تحقيق نسب نمو جيدة، وإنما ضمان انتقال آثار النمو إلى المجتمع، خصوصاً إلى الطبقة المتوسطة والفئات الأكثر هشاشة والشباب والباحثين عن العمل.

حكومة جديدة أمام مغرب أكثر تعقيداً

بعد الانتخابات ستبدأ مرحلة تشكيل الحكومة وفق المساطر الدستورية، لتنتقل البلاد من منطق المنافسة الانتخابية إلى منطق تدبير الدولة.

وهنا ستظهر المسؤولية الحقيقية للنخب السياسية.

فالمرحلة المقبلة لن تكون سهلة، لأنها ستفرض على الحكومة والبرلمان التعامل في الوقت نفسه مع ملفات اقتصادية واجتماعية واستراتيجية متعددة: التشغيل، الاستثمار، التعليم، الصحة، الحماية الاجتماعية، الأمن المائي والغذائي والطاقي، العدالة المجالية، الإصلاح الإداري، والتحولات الرقمية، إضافة إلى الرهانات الكبرى المرتبطة بأفق 2030.

وقد ربطت تحليلات حول انتخابات 2026 بين الاستحقاق الانتخابي ورهانات استراتيجية تشمل ترسيخ الدولة الاجتماعية، الأمن الغذائي والطاقي، تنظيم كأس العالم 2030، والملفات المرتبطة بالقضية الوطنية.

وهذا يعني أن المغرب يحتاج في المرحلة المقبلة إلى سياسة تتجاوز التدبير اليومي إلى التفكير الاستراتيجي.

هل النخبة السياسية واعية بحجم التحديات؟

هذا هو السؤال الأكثر أهمية بعد انتهاء الحملة.

فالمطلوب من النخبة المقبلة ليس فقط الفوز في الانتخابات، وإنما إثبات القدرة على الانتقال من منطق الحملة إلى منطق الدولة.

والفرق كبير بين السياسي الذي يجيد الخطاب الانتخابي والسياسي الذي يمتلك القدرة على صياغة السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييم نتائجها.

البرلمان المقبل سيكون مطالباً بتفعيل وظائفه الدستورية في التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، بينما ستكون الحكومة مطالبة بتحويل البرنامج الحكومي إلى التزامات قابلة للقياس، وليس مجرد عناوين عامة.

ومن هنا، فإن معيار النجاح الحقيقي للنخبة لن يكون عدد المقاعد التي حصلت عليها، وإنما حجم ما ستنجزه بعد الوصول إلى المؤسسات.

المواطن لا يريد معجزات.. وإنما يريد نتائج

من الأخطاء التي قد تقع فيها السياسة أن تقدم للمواطن صورة وردية عن المستقبل، ثم تعجز عن الوفاء بها.

المواطن المغربي يدرك أن الدولة تواجه تحديات داخلية وخارجية، وأن الإصلاح لا يحدث بين ليلة وضحاها.

لكنه في المقابل يريد أن يرى:

مدرسة أفضل.

وصحة أكثر إنصافاً.

وإدارة أكثر سرعة وشفافية.

وفرصاً حقيقية للشغل.

وأسعاراً أكثر قابلية للتحمل.

ومنافسة اقتصادية عادلة.

ومحاربة فعلية للفساد والريع وتضارب المصالح.

ومؤسسات تحترم القانون وتحمي الحقوق والحريات.

وبعبارة واحدة: يريد أن يشعر بأن التنمية تتحول إلى واقع ملموس في حياته.

هل هناك أفق واعد؟

نعم، توجد عناصر يمكن أن تفتح المجال أمام مرحلة جديدة، من بينها الدينامية الاقتصادية، والاستثمارات الكبرى، والتحولات المرتبطة بالبنية التحتية والتنمية الترابية، والاستعدادات للاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة.

لكن وجود الفرص لا يعني تلقائياً تحقق النتائج.

فالفرصة تتحول إلى نجاح عندما تتوفر الكفاءة، والحكامة، والتخطيط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاستمرارية في تنفيذ المشاريع.

وهنا تحديداً سيظهر الفرق بين تدبير سياسي قصير المدى، وتدبير سياسي يستند إلى رؤية استراتيجية.

لقد انتهت الحملة الانتخابية، لكن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

فالمعركة المقبلة هي معركة الوفاء بالالتزامات.

وهي معركة استعادة الثقة.

وهي معركة تحسين الخدمات العمومية.

وهي معركة خلق الثروة وفرص الشغل.

وهي معركة حماية القدرة الشرائية.

وهي معركة جعل المؤسسات أكثر فعالية وقرباً من المواطن.

ومن هذه الزاوية، فإن 23 شتنبر ليس مجرد تاريخ انتخابي، وإنما محطة لقياس مستوى نضج التجربة الديمقراطية وقدرة المواطن على ممارسة حقه في الاختيار، وقدرة النخب السياسية في المقابل على تحمل مسؤولية هذا الاختيار.

الكلمة الأخيرة للناخب.. والحساب يبدأ بعد الصندوق

في نهاية المطاف، القرار الانتخابي ملك للناخب وحده.

والأهم أن يكون القرار حراً، واعياً، مبنياً على قراءة البرامج، وفحص مواقف المرشحين، والنظر في الكفاءة والمصداقية والقدرة على خدمة الصالح العام، بعيداً عن المال أو الضغط أو الوعود الشخصية.

وبعد إعلان النتائج، لن يبقى السؤال: من فاز؟

بل سيصبح السؤال الأكثر أهمية:

ماذا سيفعل الفائزون بثقة المواطنين؟

وهنا تبدأ المرحلة الأصعب.

فالمواطن يمنح صوته مرة، لكن السياسي مطالب بأن يبرهن على استحقاق تلك الثقة طوال الولاية.

إن مغرب المرحلة المقبلة يحتاج إلى نخبة تفكر بعقل الدولة، وتشتغل بمنطق النتائج، وتدرك أن السياسة ليست امتيازاً، وإنما مسؤولية وتكليف ومحاسبة.

وغداً، حين تفتح صناديق الاقتراع، سيكون الناخب أمام حق دستوري ومسؤولية مدنية؛ وبعد إغلاقها، ستنتقل المسؤولية الأكبر إلى الذين سيحصلون على ثقة المواطنين.

ذلك أن الانتخابات تنتهي بإغلاق الصناديق، لكن امتحان السياسة يبدأ في اليوم التالي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى