اخبار منوعة
الأهلية الانتخابية في المغرب 2026: بين صرامة النصوص ورهان تخليق الحياة السياسية

ذا عمرو العرباوي /مدير النشر
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يجد المشهد السياسي المغربي نفسه أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: تشديد شروط الترشح وتعزيز معايير النزاهة. فبعد سنوات من الجدل حول مصداقية الانتخابات وتنامي قضايا الفساد المرتبطة ببعض المنتخبين، اختار المشرّع المغربي مراجعة الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
هذا التحول لا يعكس مجرد تعديل تقني في القوانين، بل يمثل رهاناً سياسياً وأخلاقياً يروم القطع مع ممارسات الماضي، وفتح الباب أمام نخب جديدة قادرة على تحمل المسؤولية في إطار من الشفافية والمحاسبة.
إطار قانوني محين: نحو انتخابات أكثر نزاهة
تستند الأهلية الانتخابية في المغرب إلى حزمة من القوانين التنظيمية، في مقدمتها:
-القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
-القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية.
-القوانين المؤطرة للغرف المهنية (الفلاحية، التجارية، الصناعية، والخدماتية).
وقد عرفت هذه النصوص تحيينات مهمة خلال 2025، هدفت أساساً إلى سد الثغرات القانونية التي كانت تسمح بترشح بعض الأشخاص رغم تورطهم في قضايا تمس بنزاهة العملية الانتخابية.
من يُمنع من الترشح؟ خريطة الإقصاء القانوني
أبرز ما جاءت به التعديلات الجديدة هو توسيع دائرة الأشخاص غير المؤهلين للترشح، ويمكن إجمالهم في الفئات التالية:
1-المدانون قضائياً: لا مكان لمرتكبي الجرائم
أصبح واضحاً أن المشرّع يتجه نحو إقصاء صارم لكل من تلطخت يده بالقانون، حيث يُمنع من الترشح:
-كل من صدر في حقه حكم نهائي بعقوبة سالبة للحرية.
-المدانون في جرائم الفساد، التزوير، أو الجرائم الانتخابية.
-الأشخاص المتابعون في حالة تلبس بجرائم خطيرة.
هذا التوجه يعكس إرادة قوية لجعل النزاهة شرطاً أساسياً للعمل السياسي، وليس مجرد قيمة أخلاقية اختيارية.
2. المنتخبون المعزولون: عقوبة سياسية ممتدة
لم يعد العزل مجرد إجراء تأديبي عابر، بل تحول إلى عقوبة سياسية ذات أثر طويل.
إذ يُمنع المنتخب الذي صدر في حقه حكم بالعزل من الترشح لولايتين انتخابيتين، في رسالة واضحة مفادها أن:
“من أخلّ بثقة الناخبين، لا يمكنه العودة سريعاً إلى نفس الموقع.”
3-تضارب المصالح: فصل السلطة عن النفوذ الإداري
حرصت القوانين الجديدة على الحد من ظاهرة استغلال النفوذ، من خلال منع فئات معينة من الترشح داخل دوائر نفوذها، ومن بينهم:
-مسؤولو الإدارة الترابية.
-مدراء المؤسسات العمومية.
-مسؤولو الشركات التي تساهم فيها الدولة.
كما أُقر شرط التوقف عن المهام لمدة زمنية قبل الترشح، لضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين.
4. فاقدو الحقوق المدنية والسياسية
تشمل حالات المنع أيضاً:
-غير المسجلين في اللوائح الانتخابية.
-المحرومين من حقوقهم المدنية بحكم قضائي.
وهي قاعدة تؤكد أن الترشح امتداد لحق التصويت، وليس منفصلاً عنه.
قراءة تحليلية: هل نحن أمام قطيعة مع الماضي؟
تشير هذه التعديلات إلى تحول عميق في فلسفة التشريع الانتخابي بالمغرب، يمكن تلخيصه في ثلاث دلالات رئيسية:
أولاً: من الكم إلى الكيف
لم يعد الهدف هو فقط تنظيم الانتخابات، بل تحسين جودة المنتخبين عبر تصفية المشهد من العناصر غير المؤهلة.
ثانياً: ربط المسؤولية بالمحاسبة
تجسد هذه القوانين التفعيل العملي لمبدأ دستوري محوري، قوامه أن:
“كل مسؤول يجب أن يُحاسب، سياسياً وقضائياً.”
ثالثاً: استعادة الثقة المفقودة
تراهن الدولة على أن تشديد شروط الترشح سيساهم في:
-تقليص العزوف الانتخابي.
تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات.
-إعادة الاعتبار للعمل السياسي.
التحدي الحقيقي: من النص إلى التطبيق
رغم أهمية هذه الإصلاحات، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً:
هل يكفي تعديل القوانين لتحقيق النزاهة؟
التجربة أظهرت أن الإشكال لا يكمن فقط في النصوص، بل في:
-مدى صرامة تطبيقها.
-استقلالية القضاء في البت في النزاعات الانتخابية.
-قدرة المؤسسات الرقابية على تتبع المخالفات.
فالقانون، مهما كان متقدماً، يظل عاجزاً دون إرادة سياسية حقيقية لتفعيله.
مخرجات هذا المقال ، يمكن القول أن الانتخابات المقبلة تقف على مفترق طرق:
إما أن تشكل بداية مرحلة جديدة قوامها النزاهة والكفاءة،
أو أن تبقى مجرد محطة انتخابية عادية تعيد إنتاج نفس الاختلالات.
لكن المؤكد أن المغرب، من خلال هذه الترسانة القانونية، يبعث برسالة واضحة:
“العمل السياسي لم يعد ملاذاً آمناً للفساد، بل مسؤولية تستوجب الكفاءة والنزاهة.”
وفي انتظار اختبار 2026، يبقى الرهان معلقاً على وعي الناخب، وصرامة القانون، وقدرة المؤسسات على فرض قواعد لعبة ديمقراطية حقيقية.



