نهاية “الساعة الإضافية” في المغرب قرار يطوي واحدة من أكثر السياسات العمومية إثارة للجدل

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
بين تصحيح القرار واستعادة الثقة هل انتصر صوت المجتمع؟
في واحدة من أكثر القرارات الحكومية إثارة للانتباه خلال السنوات الأخيرة، أعلنت الحكومة المغربية إنهاء العمل نهائياً بالساعة الإضافية والعودة إلى التوقيت الرسمي للمملكة (غرينيتش GMT)، ابتداءً من نهاية صيف 2026، بعد سنوات طويلة من الجدل الشعبي والسياسي والنقابي حول آثار هذا النظام الزمني على الحياة اليومية للمغاربة.
ولا يمثل هذا القرار مجرد تعديل تقني في احتساب الزمن، بل يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية ونفسية واقتصادية عميقة، لأنه يمس أحد أكثر القرارات الحكومية حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
اعتراف ضمني بأن السياسة السابقة لم تحقق الإجماع
من الناحية السياسية، يمكن قراءة القرار باعتباره اعترافاً ضمنياً بأن استمرار العمل بالساعة الإضافية لم ينجح في تحقيق توافق مجتمعي واسع.
فمنذ اعتمادها بشكل دائم، ظلت الساعة الإضافية موضوع احتجاجات وانتقادات من الأسر، والنقابات، وجمعيات أولياء التلاميذ، وفعاليات مدنية، اعتبرت أن كلفتها الاجتماعية والنفسية كانت أكبر من مكاسبها الاقتصادية المفترضة.
وفي علم السياسات العمومية، لا يعد التراجع عن قرار سابق ضعفاً إذا كان مبنياً على تقييم موضوعي لنتائجه، بل قد يعكس قدرة المؤسسات وشجاعتها على مراجعة اختياراتها عندما تتغير المعطيات أو تتبين آثارها العملية.
المفارقة السياسية
من أبرز ما يثير النقاش أن أحد الأحزاب السياسية جعل إلغاء الساعة الإضافية ركناً أساسياً من خطابه الانتخابي، بينما ارتبط خلال وجوده في السلطة باستمرار العمل بهذا النظام غير مبال بمطالب المواطنين وآثارها السلبية على حياتهم دون مبرر واضح ومعقول يستند على اسس علمية قوية، قبل أن تعلن الحكومة الحالية نفسها إنهاءه نهائيا مما سينهي معاناة طالما عانى منها المجتمع .
وهذه المفارقة تعكس إحدى الإشكالات المتكررة في العمل السياسي، حيث تختلف أحياناً مواقف الأحزاب بين مرحلة المعارضة ومرحلة تدبير الشأن العام، بسبب اختلاف التقديرات أو الإكراهات التي تواجهها أثناء ممارسة السلطة.
الأثر النفسي راحة منتظرة
يعد الجانب النفسي من أكثر الجوانب التي أثارتها النقاشات حول الساعة الإضافية.
فالكثير من الأسر كانت تعتبر أن خروج الأطفال إلى المدارس قبل شروق الشمس، خصوصاً خلال فصل الشتاء، يولد شعوراً بالإرهاق والتوتر.
كما كان عدد من الموظفين والعمال يشتكون من اضطراب النوم وصعوبة التكيف مع الإيقاع اليومي.
لذلك فمن المتوقع أن يسهم اعتماد توقيت غرينيتش في:
-تحسين جودة النوم.
-تخفيف الضغط الصباحي على الأسر.
-تقليل الإحساس بالإرهاق المزمن.
-تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والأسرية.
الانعكاسات الاجتماعية
اجتماعياً، قد يؤدي القرار إلى:
-تقليص معاناة التلاميذ في التنقل صباحاً.
-تعزيز الشعور بالأمن بالنسبة للأطفال والنساء في الفترات الصباحية.
-تسهيل تنظيم الحياة الأسرية.
-تحسين التوافق بين أوقات العمل والدراسة والراحة.
كما ينتظر أن ينعكس إيجابياً على المزاج العام، باعتبار أن ملف الساعة الإضافية ظل من أكثر المواضيع التي أثارت استياء الرأي العام.
ماذا عن الاقتصاد؟
اقتصادياً، الصورة أكثر تعقيداً.
فالمدافعون عن الساعة الإضافية كانوا يستندون إلى مبررات مثل:
-ترشيد استهلاك الطاقة.
-التقارب الزمني مع الأسواق الأوروبية.
-تسهيل المعاملات التجارية الدولية.
في المقابل، رأى معارضوها أن هذه المكاسب لم تكن واضحة أو كافية مقارنة بالتكاليف الاجتماعية والنفسية.
ولذلك، فإن نجاح العودة إلى توقيت غرينيتش سيتوقف على قدرة الحكومة على تعويض أي آثار اقتصادية محتملة عبر تحسين التنظيم الإداري والرقمي وتكييف أوقات العمل عند الحاجة.
هل سيكون للقرار أثر سياسي؟
من المرجح أن يكون لهذا القرار أثر سياسي يتمثل في:
-تعزيز صورة الحكومة لدى جزء من الرأي العام باعتبارها استجابت لمطلب شعبي.
-فتح نقاش حول كيفية تقييم السياسات العمومية بعد تطبيقها.
-إعادة طرح سؤال العلاقة بين الوعود الانتخابية والتنفيذ الحكومي.
لكن حجم هذا الأثر سيظل مرتبطاً بمدى نجاح الحكومة في معالجة ملفات أخرى ذات أولوية بالنسبة للمواطنين.
هل انتهى الجدل؟
رغم الإعلان عن إنهاء العمل بالساعة الإضافية، فإن النقاش لن ينتهي بالكامل.
فقد يركز الجدل مستقبلاً على:
-مدى تأثير القرار على تنافسية الاقتصاد.
-علاقته بأوقات العمل والإدارة.
-انعكاسه على قطاعات التصدير والخدمات المرتبطة بالأسواق الخارجية.
ومن ثم، فإن تقييم القرار سيكون مرتبطاً بنتائجه العملية خلال السنوات المقبلة، لا بمجرد الإعلان عنه.
مخرجات هذا المقال ، يمثل إلغاء الساعة الإضافية نهاية أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش في المغرب خلال العقد الأخير، وإذا كان القرار قد جاء استجابةً لمطالب اجتماعية متكررة، فإنه يشكل أيضاً اختباراً لقدرة الدولة على مراجعة سياساتها العمومية عندما تتبين الحاجة إلى ذلك، كما يبرز أن أي سياسة تمس الحياة اليومية للمواطنين لا تُقاس فقط بمؤشرات اقتصادية، بل كذلك بمدى تأثيرها على جودة الحياة، والاستقرار الأسري، والصحة النفسية، وثقة المواطنين في المؤسسات.
وبذلك، قد يُسجل يوم 25 يونيو 2026 باعتباره تاريخاً أنهى جدلاً استمر سنوات، وفتح صفحة جديدة في تنظيم الزمن الرسمي بالمملكة، على أن يبقى الحكم النهائي مرهوناً بما ستكشف عنه التجربة بعد العودة الدائمة إلى توقيت غرينيتش.



