الانتخابات ليست أزمة صناديق بل أزمة ثقة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
لم تعد المشكلة الحقيقية في الانتخابات المغربية تكمن في عدد مكاتب التصويت، ولا في عدد اللوائح الانتخابية، ولا حتى في نسبة المشاركة التي تُعلن بعد إغلاق صناديق الاقتراع، بل أصبحت الأزمة أعمق من ذلك بكثير، إنها أزمة ثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وبين الوعود الانتخابية والواقع، وبين الخطاب الذي يُرفع في الحملات الانتخابية والممارسة التي تتجلى بعد الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
فالناخب المغربي لم يعد يقاطع الانتخابات لأنه لا يعرف أهميتها، بل لأن جزءًا من المواطنين يرى أن صوته لا يغيّر بالقدر الذي كان يأمله، وأن بعض الوعود التي تُقدَّم خلال الحملات الانتخابية لا تجد طريقها إلى التنفيذ، أو تُفسَّر لاحقًا بوجود إكراهات سياسية أو اقتصادية أو قانونية، وهكذا يتولد شعور بالإحباط لدى فئات من الناخبين، خصوصًا عندما تتكرر الفجوة بين التوقعات والنتائج.
من السياسة إلى التسويق الانتخابي
في كثير من الأحيان، تتحول الحملات الانتخابية إلى سباق في إنتاج الشعارات المؤثرة أكثر من كونها منافسة بين برامج قابلة للتنفيذ، وتُقدَّم وعود كبيرة دون توضيح الإمكانات المالية أو القانونية اللازمة لتحقيقها، فتتحول الانتخابات من منافسة حول الحلول إلى منافسة حول من يرفع سقف التوقعات أكثر.
إن الديمقراطية لا تُبنى على قوة الخطاب، بل على صدقية الالتزام، فالوعد الذي لا يستند إلى دراسة وإمكانات تنفيذية قد يحقق مكسبًا انتخابيًا مؤقتًا، لكنه قد يخلف خسارة أكبر تتمثل في تآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية.
المواطن أصبح أكثر ذكاءً
لم يعد الناخب يعتمد فقط على الخطب والمهرجانات، فبفضل الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح يقارن بين ما قيل وما تحقق، ويتابع أداء المنتخبين، ويستحضر الوعود السابقة عند كل استحقاق جديد.
وهذا التحول يفرض على الأحزاب الانتقال من سياسة التأثير العاطفي إلى سياسة الإقناع العقلاني، المبنية على الأرقام، والبرامج، والالتزامات القابلة للتقييم.
أخطر ما يهدد الديمقراطية
ليست نسبة المشاركة المنخفضة هي الخطر الأكبر، بل أن يفقد المواطن إيمانه بجدوى المشاركة نفسها.
فعندما يقتنع الناخب بأن الانتخابات لا تغير شيئًا، أو أن النخب السياسية تتشابه في الخطاب والممارسة، فإنه ينسحب من الفضاء العام، ويترك القرار لمن يشارك. وحينها لا تخسر الأحزاب وحدها، بل تخسر الديمقراطية أحد أهم مصادر قوتها، وهو المواطن الفاعل.
إن الديمقراطية لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تضعف تدريجيًا كلما تقلصت الثقة في المؤسسات، وتراجعت المشاركة الواعية، واتسعت الهوة بين الخطاب والإنجاز.
هل الأحزاب مسؤولة وحدها؟
ليس من الإنصاف تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية العزوف الانتخابي، فهذه الظاهرة نتاج عوامل متعددة، من بينها أوضاع اقتصادية واجتماعية، ومستوى الثقة في المؤسسات، وطبيعة النقاش العمومي، ومدى انخراط المواطنين في الحياة العامة.
لكن الأحزاب تبقى مطالبة بمراجعة أساليب عملها، وتجديد نخبها، وتحسين تواصلها مع المواطنين، لأنها الحلقة الأساسية التي تتولى عرض البرامج وطلب ثقة الناخبين.
الإصلاح يبدأ من داخل الأحزاب
لا يمكن إقناع المواطنين بالمشاركة إذا لم تبدأ الأحزاب بإصلاح ذاتها.
الإصلاح الحقيقي يقتضي:
-اعتماد الديمقراطية الداخلية في اختيار المرشحين.
-تمكين الكفاءات والشباب والنساء من مواقع المسؤولية على أساس الاستحقاق.
-الحد من الممارسات التي قد تُضعف ثقة الرأي العام، مثل تغيير الانتماءات الحزبية بدوافع غير مرتبطة باختيارات سياسية واضحة.
-تقديم برامج قابلة للقياس، مع تحديد آجال التنفيذ ومصادر التمويل.
-إصدار تقارير دورية تقيّم ما تحقق وما تعذر إنجازه مع توضيح الأسباب.
فالأحزاب التي تطالب بثقة المواطنين مطالبة أولًا بأن تجعل الشفافية والمحاسبة جزءًا من ثقافتها التنظيمية.
من يحاسب السياسي؟
الديمقراطية لا تكتمل بالتصويت فقط، وإنما بالمحاسبة بعد التصويت.
فالمنتخب الذي يلتزم ببرنامج انتخابي ينبغي أن يقدم حصيلة دورية لما أنجزه، وأن يوضح أسباب أي تأخر أو تعثر، بما يسمح للناخب بتقييم أدائه عند الاستحقاق التالي.
كما أن تعزيز ثقافة التقييم العمومي، وإتاحة المعلومات، ودعم الإعلام المهني، كلها عناصر تساعد المواطن على اتخاذ قرار انتخابي مبني على المعرفة لا على الانطباعات.
كيف نعيد المواطن إلى صناديق الاقتراع؟
الجواب لا يكمن في حملات دعائية موسمية، بل في إعادة بناء الثقة.
الثقة تُستعاد عندما يرى المواطن أن القانون يُطبق على الجميع، وأن الكفاءة معيار لتولي المسؤولية، وأن المنتخب قريب من الناس قبل الانتخابات وبعدها، وأن البرنامج الانتخابي يتحول إلى التزام أخلاقي وسياسي لا إلى وثيقة تُنسى بانتهاء الحملة.
كما أن إشراك الشباب، وتعزيز التربية على المواطنة، وتوفير نقاشات عمومية قائمة على البرامج بدل الشخصنة، من شأنه أن يجعل المشاركة الانتخابية أكثر معنى.
مخرجات هذا المقال، إن مستقبل الانتخابات البرلمانية المقبلة لن تحدده كثافة الملصقات ولا حجم التجمعات الانتخابية، وإنما سيحدده سؤال واحد: هل نجحت النخب السياسية في استعادة ثقة المواطن؟
فإذا استمرت الهوة بين الوعد والإنجاز، فقد يتسع العزوف، وتتعمق أزمة الثقة. أما إذا اختارت الأحزاب طريق الصدق، والشفافية، والكفاءة، والالتزام بالمحاسبة، فإن المواطن سيعود إلى صناديق الاقتراع لأنه سيشعر بأن صوته قادر على التأثير في صناعة القرار.
إن الديمقراطية ليست مجرد موعد انتخابي يتكرر كل بضع سنوات، بل هي عقد متجدد بين المواطن ومؤسساته، قوامه الثقة، وركيزته المسؤولية، وضمانته المحاسبة. وعندما تستعيد السياسة معناها الأخلاقي، يصبح التصويت فعلًا واعيًا لبناء المستقبل، لا مجرد إجراء انتخابي عابر.



