“عائلة بادل ، هل نحن أمام ولادة قطب سياسي جديد في برشيد ؟”

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
برشيد – حين تتحول الكفاءة والاستقلالية إلى قوة سياسية
في مدينة برشيد، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية بالحسابات الانتخابية، وتشتد المنافسة كلما اقترب موعد الاستحقاقات، تبرز أسماء سياسية استطاعت أن تفرض حضورها داخل المشهد المحلي. ومن بين هذه الأسماء تبرز منال بادل، رئيسة المجلس الجماعي لبرشيد، إلى جانب عابد بادل، المستشار بالغرفة الثانية وعضو المجلس الجماعي، وعثمان بادل، رئيس المجلس الإقليمي وعضو المجلس الجماعي.
إنها عائلة استطاعت أن تجمع، في مسارها العام، بين عالم المال والأعمال، والعمل الجمعوي والتطوعي، والحضور المؤسساتي والسياسي، الأمر الذي يجعلها اليوم رقماً انتخابياً وسياسياً يصعب تجاوزه في معادلة برشيد.
لكن السؤال الأكبر ليس: هل أصبحت عائلة بادل قوية انتخابياً؟
بل السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع هذه القوة السياسية أن تتحول إلى مشروع تنموي متكامل لمدينة برشيد؟
من المال والأعمال إلى السياسة انتقال غير تقليدي
ما يميز تجربة منال بادل، كما يقدمها أنصارها، هو أنها لم تدخل المجال السياسي من بوابة البحث عن مصدر للعيش، وإنما جاءت من عالم المال والأعمال، حيث راكمت تجربة مهنية واقتصادية جعلتها تتمتع باستقلال مالي.
وهذه النقطة تكتسي أهمية خاصة في زمن أصبح فيه الحديث عن الريع السياسي حاضراً بقوة في النقاش العمومي.
فالشخص الذي يمتلك مشروعاً مهنياً ومصدراً مستقلاً للدخل يكون، من حيث المبدأ، أقل حاجة إلى تحويل المنصب السياسي إلى وسيلة للارتقاء الاجتماعي أو الاقتصادي.
لكن الاستقلال المالي لا يكفي لصناعة رجل أو امرأة دولة؛ إذ لا بد أن تضاف إليه الكفاءة، والنزاهة، والحس المؤسساتي، والقدرة على تدبير الاختلاف، والنجاح في إنتاج السياسات العمومية.
منال بادل امرأة اختارت طريقاً صعباً
العمل السياسي بالنسبة للمرأة ليس دائماً طريقاً مفروشاً بالورود، خصوصاً على المستوى المحلي، حيث تكون المنافسة أكثر قرباً واحتكاكاً، وتكون العلاقات الشخصية والاجتماعية والعائلية حاضرة بقوة.
ومع ذلك، استطاعت منال بادل أن تصل إلى رئاسة المجلس الجماعي لمدينة برشيد، وهو موقع لا يمنح صاحبه امتيازاً بقدر ما يضعه أمام مسؤولية ثقيلة واختبار يومي أمام المواطنين والمؤسسات والمنتخبين.
ومن هنا يمكن فهم وصف البعض لها بـ«المرأة الحديدية»: ليس فقط لأنها امرأة استطاعت الوصول إلى موقع القرار، ولكن لأنها اختارت، وفق هذا التقييم، الاستمرار في المشهد السياسي رغم ما تعتبره ضغوطاً ومواجهات ومحاولات لإضعاف تجربتها.
أما ما يثار من حديث عن ظلم أو تواطؤ ضدها، فيظل سياسياً وإعلامياً بحاجة إلى أدلة ووقائع موثقة حتى يتم التعامل معه كحقيقة ثابتة، لا كجزء من السجال السياسي.
عائلة بادل من الحضور إلى صناعة الكتلة
وجود أكثر من شخصية من العائلة داخل مؤسسات منتخبة لا يعني تلقائياً وجود كتلة سياسية، لكن اجتماع المواقع، والحضور الانتخابي، والامتداد الاجتماعي، والخبرة الاقتصادية والجمعوية يمكن أن يصنع وزناً سياسياً مؤثراً.
وهنا بالضبط تكمن أهمية الانتخابات المقبلة.
فإذا تمكنت هذه الأسماء من الحفاظ على حضورها الانتخابي، وتوسيع دائرة التأييد، وبناء تحالفات سياسية ومجتمعية، فإن عائلة بادل قد تتحول من مجرد عائلة حاضرة في المؤسسات إلى قوة انتخابية وازنة في برشيد.
وهذا التحول، إن حدث، لن يكون بلا دلالة؛ لأنه سيعكس ظهور نمط جديد من النخب المحلية التي تجمع بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال الاجتماعي والرأسمال السياسي.
الثروة ليست عيباً والفقـر ليس فضيلة سياسية
من الأخطاء التي ينبغي تجاوزها في النقاش الانتخابي اعتبار ثراء المرشح دليلاً على فساده، أو اعتبار فقره دليلاً على نزاهته.
السياسة لا تحتاج إلى الفقير لمجرد فقره، ولا إلى الثري لمجرد ثرائه.
إنها تحتاج إلى الكفء النزيه.
فالمال المشروع الذي تم اكتسابه عبر العمل والاستثمار لا ينبغي أن يكون وصمة سياسية، كما أن الاستقلال المالي يمكن أن يمنح المنتخب هامشاً أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
لكن في المقابل، فإن الثروة تفرض مسؤولية إضافية، أهمها الوضوح والشفافية وتجنب تضارب المصالح، حتى لا تتحول القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي غير متوازن.
الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا
إذا كانت منال بادل قد نجحت في الوصول إلى موقع القرار، فإن التحدي الأكبر أمامها ليس الوصول، وإنما الإنجاز.
برشيد تحتاج إلى قيادة محلية قادرة على الإجابة عن أسئلة المواطن اليومية:
أين فرص الشغل؟
كيف نجعل المدينة أكثر جاذبية للاستثمار؟
كيف نحسن النقل والتنقل؟
كيف نعالج مشاكل النظافة والبيئة؟
كيف نطور الفضاءات الرياضية والثقافية؟
كيف نعيد الاعتبار للمجال الحضري؟
وكيف تتحول المدينة من مجرد مجال عمراني واقتصادي إلى قطب تنموي حقيقي داخل جهة الدار البيضاء–سطات؟
هذه هي الملفات التي ستحدد في النهاية ما إذا كان الحضور السياسي لعائلة بادل سيصبح تجربة ناجحة أم مجرد مرحلة أخرى من مراحل التنافس الانتخابي.
القوة الانتخابية مسؤولية وليست امتيازاً
قد تتمكن أي شخصية سياسية من صناعة كتلة انتخابية، لكن صناعة مشروع سياسي مستدام أكثر صعوبة.
فالكتلة الانتخابية يمكن أن تتشكل من التحالفات والمصالح والروابط الاجتماعية، لكنها لا تستمر طويلاً إذا لم تستند إلى الإنجاز والثقة.
ولهذا فإن مستقبل منال بادل السياسي لن تحدده فقط نتائج الانتخابات، وإنما ستحدده قدرتها على تحويل موقعها إلى مشروع للحكامة المحلية والتنمية والإنصات للمواطن.
وإذا نجحت في ذلك، فإن الحديث عنها لن يبقى مرتبطاً بكونها رئيسة مجلس جماعي أو جزءاً من عائلة سياسية مؤثرة، وإنما باعتبارها نموذجاً لامرأة استطاعت أن تنتقل من عالم الأعمال إلى عالم القرار، ومن النجاح الشخصي إلى اختبار النجاح في خدمة المدينة.
برشيد أمام لحظة سياسية مفصلية
الانتخابات المقبلة قد تكون محطة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية بمدينة برشيد.
وفي هذه الخريطة، تبدو عائلة بادل، بما لها من حضور مؤسساتي وانتخابي واجتماعي، أمام فرصة حقيقية لتقديم نفسها ليس فقط كقوة انتخابية، وإنما كـمشروع سياسي محلي.
لكن المشروع السياسي لا يُقاس بقوة العائلة ولا بحجم الثروة ولا بعدد المناصب.
إنه يُقاس في النهاية بما يراه المواطن في الشارع:
مشروعاً يُنجز، خدمةً تتحسن، استثماراً يُخلق، فرصة شغل تُوفر، ومدينةً تتقدم.
وهنا سيكون السؤال الذي سيحسم كل شيء:
هل تستطيع «المرأة الحديدية» منال بادل أن تحول قوتها الانتخابية إلى قوة تنموية، وأن تجعل من حضور عائلة بادل في المؤسسات عنواناً لمرحلة جديدة في تاريخ برشيد؟
الإجابة لن تكتبها الحملات الانتخابية، ولا الشعارات، ولا الخصوم، ولا المؤيدون.
سيكتبها المواطن البرشيدي، وسيكتبها صندوق الاقتراع أولاً، ثم يكتبها الإنجاز بعد ذلك.



