ليتنا نملك في الحياة حق الإعادة حين يصبح الندم درساً لا نهاية

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر
كم مرة تمنّينا أن يعود بنا الزمن إلى الوراء، لنصحح قراراً متسرعاً، أو نستعيد فرصة ضائعة، أو نعتذر لشخص جرحناه، أو نحتفظ بإنسان خسرناه؟ وكم مرة رددنا في صمت: «ليتنا نملك في الحياة حق الإعادة»؟
إنها عبارة تختزل الكثير من المشاعر الإنسانية، وتعكس صراع الإنسان بين ماضٍ لا يعود، وحاضر لا ينتظر، ومستقبل لا نعرف ما يخبئه لنا.
فالحياة، على خلاف الامتحانات، لا تمنحنا دائماً فرصة لإعادة المحاولة بالشروط نفسها. هناك كلمات إذا قيلت تركت جروحاً، ومواقف إذا ضاعت يصعب استدراكها، وأشخاص إذا رحلوا لا تعوضهم الأيام.
لكن الحقيقة الأعمق أن قيمة الحياة لا تكمن في قدرتنا على إعادة الماضي، بل في قدرتنا على التعلم منه، فالأخطاء ليست دائماً هزائم، والندم ليس بالضرورة ضعفاً، بل قد يكون بداية نضج يعيد ترتيب أفكارنا ومواقفنا وأولوياتنا.
والمؤلم حقاً ليس أن نخطئ، فالخطأ جزء من طبيعتنا البشرية، وإنما أن نكرر الأخطاء نفسها دون أن نتعلم، وأن ندرك قيمة الأشخاص بعد فقدانهم، وأهمية الفرص بعد ضياعها، وحقيقة الزمن بعدما يمر دون رجعة.
إن الحكمة تقتضي أن نعيش بوعي أكبر، وأن نفكر قبل اتخاذ القرارات، ونزن كلماتنا قبل النطق بها، ونحسن معاملة من حولنا قبل أن يتحول حضورهم إلى ذكريات.
فليس كل ما ينكسر يُجبر، ولا كل من يرحل يعود، ولا كل فرصة تتكرر.
ومع ذلك، تبقى الحياة كريمة بما تمنحنا من فرص جديدة للتغيير والتصالح مع الذات وتصحيح المسار، حتى وإن استحال استرجاع ما مضى.
وما ينبغي استخلاصه ، قد لا نملك في الحياة حق الإعادة، لكننا نملك حق المراجعة والتوبة والاعتذار والبداية من جديد، فالعاقل ليس من عاش دون أخطاء، بل من جعل تجاربه مدرسة، وندمه حكمة، وما تبقى من عمره فرصة ليكون أفضل.
فليتنا لا ننتظر ضياع الأشياء حتى ندرك قيمتها، ولا رحيل الأشخاص حتى نعترف بمكانتهم، لأن الحياة لا تُعاش مرتين، ولكن يمكن أن نعيش ما تبقى منها بوعي أجمل وقلب أنقى.



