حين يكتب الرهان نعيه الصحراء وكلفة العناد السياسي

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
لا تبدأ هزيمة المشاريع السياسية يوم يعلن خصومها انتصارهم؛ فقد تتشكل أسبابها منذ لحظة التأسيس، حين تغيب الرؤية، وتُختزل المصالح في الخصومة، ويصبح الإصرار بديلًا عن الحكمة، فالمشروع الذي يعجز عن مراجعة أهدافه ووسائله قد يتحول، مع الزمن، إلى عبء على أصحابه، مهما أحاطوه بالتمويل والدعاية.
من هذه الزاوية، يستحق الرهان الجزائري على جبهة البوليساريو مساءلة سياسية جادة: ماذا حقق بعد عقود من الدعم؟ وما كلفته على الدولة والمجتمع؟ وهل أسهم في بناء مستقبل إقليمي أفضل، أم جعل الخصومة مع المغرب أولوية تتجدد على حساب فرص التعاون والتنمية؟
أعادت جلسة مجلس الأمن، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، هذه الأسئلة إلى الواجهة، فقد تعثر المشروع الأمريكي بفعل النقض الروسي، وفشل المشروع الروسي البديل، لتنتهي ولاية المينورسو في 31 أكتوبر دون تجديد، غير أن الدقة تقتضي التأكيد أن انتهاء ولاية البعثة لا يساوي، بمفرده، إغلاق النزاع نهائيًا.
ومع هذا ، يمكن قراءة التطور باعتباره اختبارًا قاسيًا لسياسة راهنت على استمرار الوضع السابق، فحين تتعثر الآليات التي ارتبط بها الرهان، تصبح مراجعة الاستراتيجية واجبًا، ويغدو الاستمرار بالمنطق نفسه دليلًا على صعوبة التكيف مع التحولات.
وتكمن المعضلة الأعمق في اعتبار ما أُنفق سابقًا مبررًا لمواصلة الإنفاق، فالأموال والجهود لا تستعاد بإطالة الطريق، وقد تتضاعف الكلفة حين يصبح الاعتراف بالتعثر أصعب على صانع القرار من تحمل نتائجه. وهنا يتحول الثبات إلى جمود، وتُستهلك الموارد دفاعًا عن خيار يحتاج إلى المراجعة والتقييم.
أما المال العام، فمساءلته تبدأ بالشفافية: كم خُصص لهذا الرهان؟ وبأي نتائج؟ وما الفرص التنموية التي كان يمكن أن تمولها تلك الموارد؟ تظل هذه أسئلة مشروعة، دون اختلاق أرقام أو تعويض الحساب الموثق بالمبالغة، فالمواطن الجزائري يستحق أن تتقدم حاجاته في التعليم والصحة والتشغيل وهذه هي أولويات القرار الصائب.
ويظل النقد موجهًا إلى السياسات والقيادات المسؤولة عنها؛ فالشعب الجزائري تربطه بالمغرب وشائج الجوار والتاريخ، وسكان مخيمات تندوف يستحقون أفقًا للحياة الكريمة يتجاوز استدامة الانتظار.
وبالنسبة إلى المغرب، تقتضي الحكمة تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى تسوية مستقرة، وتعزيز مصداقية مقترحه السياسي بضمانات المشاركة والتنمية والكرامة، فقوة الموقف تتجسد في قدرته على بناء المستقبل وتوسيع فرص الاستقرار.
قد تحمل المشاريع أسباب تعثرها منذ بدايتها، لكن مراجعتها تظل ممكنة متى حضرت الشجاعة، وأثقل الهزائم كلفةً أن يكتشف أصحاب الرهان اختلاله، ثم يواصلوا تمويله خشية الاعتراف به وهذا هو الإنتحار بحد ذاته.



