اخبار منوعة

دماء على أبواب المدارس: حين يتحول فضاء التعليم إلى مسرح للجريمة من يتحمل المسؤولية؟

ذا عمرو العرباوي / مدير النشر

اهتز الرأي العام الوطني مؤخراً على وقع فاجعتين متقاربتين زمنياً، أدميتا القلوب وأسالت الكثير من المداد؛ حيث شهدت كل من مدينة برشيد (أمام ثانوية الجنرال الكتاني) ومدينة الجديدة حوادث شجار بين تلاميذ قاصرين انتهت بإزهاق أرواح بريئة، هذه المشاهد المأساوية، حيث يتحول زميل مقعد الدراسة إلى جانٍ والآخر إلى ضحية، تدق ناقوس الخطر بشدة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحولات العنيفة التي يشهدها الوسط المدرسي المغربي.

تحليل المشهد: لماذا تمدد العنف إلى حد القتل؟

لم يعد العنف المدرسي يقتصر على التراشق اللفظي أو الشجار العابر، بل تطور لاستخدام الأسلحة البيضاء والآلات الحادة، وهو ما يعكس تحولاً خطيراً في سيكولوجية المراهقين. يمكن تفسير هذا المشهد عبر عدة زوايا:

-الاحتقان النفسي والاجتماعي: غياب آليات تفريغ الضغط النفسي لدى المراهقين يجعل من أتفه الأسباب (نظرة، كلمة، أو خلاف بسيط) شرارة لجريمة مميتة.

-تطبيع العنف: التأثر بمحتويات شبكات التواصل الاجتماعي التي تمجد “الفتوة” وثقافة العصابات، مما يخلق لدى المراهق وهماً بأن العنف هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الذات.

-محيط المؤسسات: تحول جنبات بعض المدارس إلى نقط لتجمع المنحرفين وترويج الممنوعات، مما يسهل استدراج التلاميذ إلى دوامة الانحراف.
الآثار على المستوى الوطني
لا تقتصر تداعيات هذه الجرائم على الأسر المكلومة فحسب، بل تمتد لتضرب في صميم البنيان المجتمعي:

1-زعزعة الشعور بالأمن: تحول المدرسة من ملاذ آمن للتنشئة إلى بؤرة خطر، مما يخلق حالة من الفزع اليومي لدى الأسر المغربية التي تودع أبناءها صباحاً ولا تضمن عودتهم سالمين.

2-ضرب ورة المدرسة العمومية: تعميق أزمة الثقة في المؤسسة التعليمية، مما قد يدفع ببعض الأسر إلى خيارات بديلة قسرية أو زيادة معدلات الهدر المدرسي خوفاً على حياة الأبناء.

3- تكلفة مجتمعية باهظة: خسارة مزدوجة للوطن؛ طاقات شابة تضيع تحت التراب، وأخرى تقبع خلف أسوار السجون، مما يعمق جراح المجتمع.

دور المؤسسة التعليمية: قصور أم فقدان للسيطرة؟

الحقيقة أن ما يقع هو مزيج بين القصور الهيكلي وفقدان السيطرة.

-القصور: يتجلى في غياب خلايا الإنصات والدعم النفسي الفعالة، وتحول المدرسة إلى فضاء لتلقين المعارف فقط، مع إهمال الشق التربوي والسلوكي. كما أن الاكتظاظ المهول داخل الأقسام يمنع الأستاذ من تتبع الحالات النفسية لتلاميذه.

-فقدان السيطرة: يتجسد بمجرد خروج التلميذ من باب المدرسة؛ فالمؤسسة تجد نفسها عاجزة قانونياً ولوجستياً عن تأمين محيطها الخارجي، حيث تقع أغلب هذه الجرائم (كما حدث في لحظة النزول من حافلة النقل المدرسي ببرشيد).
خريطة المسؤوليات: من يتحمل العبء؟
لفهم الحل، يجب تفكيك المسؤوليات بدقة ودون مجاملة:
-أولياء الأمور (الأسرة): هي خط الدفاع الأول الذي تم اختراقه. غياب لغة الحوار، الانشغال المفرط عن الأبناء، والتنصل من المراقبة القبلية لسلوكيات المراهق ومقتنياته (كيف يخرج مراهق بآلة حادة من منزله دون علم أسرته؟)، كلها عوامل تجعل الأسرة مسؤولة بشكل مباشر عن هذا الانفلات.
-المجتمع المدني: أدواره لا تزال موسمية ومحتشمة. هناك غياب ملحوظ لجمعيات الأحياء والأندية الثقافية والرياضية التي من المفترض أن تحتضن المراهق وتوجه طاقاته بعيداً عن الشارع والمدرسة وقت الفراغ.
-السلطات المحلية (الأمن والسلطات الترابية): تتحمل مسؤولية تطهير المحيط المدرسي. المقاربة الأمنية الموسمية لم تعد تجدي نفعاً، بل يجب توفير دوريات راجلة ومتحركة دائمة، وتفكيك شبكات ترويج الممنوعات التي تتخذ من أبواب المدارس أسواقاً لها.
-السلطات المركزية (الوزارات الوصية): تتحمل عبء السياسات العامة. وزارة التربية الوطنية مطالبة بإعادة النظر في المناهج، وتوظيف أخصائيين نفسيين واجتماعيين في كل مؤسسة، ووزارة الشباب مطالبة بتوفير دور شباب مجهزة وجذابة تستقطب هؤلاء التلاميذ.

الحل الأمثل: نحو مقاربة مندمجة
للحد من هذا الفعل الجرمي، يجب الانتقال من ردود الفعل الانفعالية (عقب كل جريمة) إلى استراتيجية استباقية صارمة تشمل:

1-الردع والمراقبة: تسييج محيط المدارس بكاميرات مراقبة متصلة بمراكز الأمن، وتفعيل دور شرطة المدارس بشكل دائم ويومي.

2-الاحتضان والدعم النفسي: فرض وجود مرشد اجتماعي ونفسي في كل ثانوية وإعدادية، يكون قادراً على رصد السلوكيات العدوانية مبكراً والتدخل قبل تطورها.

3-العقد الأخلاقي والقانوني: إشراك الآباء إجبارياً في تتبع حالة أبنائهم عبر لجان مشتركة، وتحميلهم جزءاً من المسؤولية القانونية والأخلاقية في حال ثبوت الإهمال.

4-تفعيل الحياة المدرسية: إغناء الساحة المدرسية بالأنشطة الرياضية والفنية التنافسية التي تسمح للتلاميذ بتصريف شحناتهم العدوانية وإثبات ذواتهم في مجالات إبداعية بدلاً من العنف.

مخرجات هذا المقال، إن حماية أبنائنا لم تعد مجرد ترف فكري، بل هي حالة طوارئ وطنية تستدعي تكاتف جميع المتدخلين، فالمدرسة التي لا تستطيع ضمان أمن روادها، تفقد مبرر وجودها كمنارة للمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى