السلوك المدني في المغرب: من مفهوم أخلاقي إلى مشروع وطني لبناء مجتمع يحترم القانون ويصون المصلحة العامة

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر
يشكل السلوك المدني أحد أهم المؤشرات التي تقاس بها درجة تحضر المجتمعات ورقيها، إذ لا يقتصر على مجرد الالتزام بالقوانين، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من القيم والمبادئ التي تحكم علاقة الفرد بمجتمعه ومؤسساته ووطنه.
وفي ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها المغرب، يبرز تعزيز السلوك المدني باعتباره مشروعاً وطنياً واستثماراً طويل الأمد في الإنسان قبل أي شيء آخر.
أولاً: مفهوم السلوك المدني لغة واصطلاحاً
لغة :السلوك لغة مشتق من الفعل «سلك»، أي اتبع طريقاً أو نهجاً معيناً، ويقصد به التصرف أو الهيئة التي يعتمدها الإنسان في حياته اليومية.
أما لفظ «المدني» فيرتبط بالمدينة أو المجتمع المنظم الذي تحكمه القوانين والأنظمة والعلاقات القائمة على الاحترام المتبادل.
وبذلك فإن السلوك المدني لغة يعني: اتباع الفرد لتصرفات منضبطة ومنظمة تراعي قواعد العيش المشترك داخل المجتمع.
اصطلاحاً :يقصد بالسلوك المدني مجموعة من التصرفات والممارسات الواعية التي يقوم بها الفرد احتراماً للقانون ولحقوق الآخرين ولمؤسسات الدولة وللممتلكات العامة والخاصة، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية والمواطنة والالتزام الأخلاقي.
ولا يقتصر السلوك المدني على الامتناع عن مخالفة القانون، بل يشمل المبادرة الإيجابية في خدمة الصالح العام، والمحافظة على البيئة، واحترام النظام، والالتزام بقواعد السير، والوفاء بالواجبات الضريبية، والتعامل الحضاري مع الفضاء العام.
ثانياً: لماذا أصبح تعزيز السلوك المدني ضرورة وطنية؟
تزايدت في السنوات الأخيرة مظاهر تستدعي تعزيز ثقافة المواطنة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر :
-الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
-رمي النفايات في الأماكن غير المخصصة.
-عدم احترام قوانين السير.
-العنف داخل الملاعب أو المؤسسات التعليمية.
-ضعف احترام الطوابير والفضاءات المشتركة.
-التهرب من أداء بعض الواجبات القانونية.
مثل هذه السلوكيات تؤثر بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وترفع تكلفة الخدمات العمومية، وتضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ثالثاً: كيف يمكن تحقيق مشروع وطني لتعزيز السلوك المدني؟
إن بناء مجتمع مدني مسؤول لا يتحقق عبر العقوبات وحدها، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تقوم على عدة محاور متكاملة.
1-التربية منذ الطفولة:
تعتبر الأسرة المدرسة الأولى للسلوك المدني، حيث يتعلم الطفل احترام الآخرين والانضباط وتحمل المسؤولية.
2-إصلاح المنظومة التعليمية:
ينبغي أن تتحول قيم المواطنة من مواد نظرية إلى ممارسات يومية داخل المؤسسات التعليمية، من خلال الأنشطة التطبيقية والعمل الجماعي والتطوع.
3-دور الإعلام:
وسائل الإعلام مطالبة بإبراز النماذج الإيجابية ونشر ثقافة احترام القانون والممتلكات العامة، بعيداً عن تطبيع السلوكيات السلبية.
4-مساهمة المجتمع المدني:
يمكن للجمعيات والمنظمات المدنية تنظيم حملات توعية وورشات تكوينية ومبادرات تطوعية لترسيخ ثقافة المواطنة.
5-القدوة داخل المؤسسات:
كلما جسدت الإدارات العمومية مبادئ الشفافية واحترام القانون وحسن معاملة المواطنين، ازدادت ثقة المجتمع في المؤسسات وارتفع مستوى الالتزام المدني.
6-التطبيق الصارم والعادل للقانون:
لا يمكن ترسيخ السلوك المدني دون شعور الجميع بأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء.
رابعاً: من هي الجهة المسؤولة عن هذا المشروع؟
الحقيقة أن تعزيز السلوك المدني ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو مشروع تشاركي تتقاسم أدواره عدة مؤسسات، منها:
-الأسرة.
-المدرسة والجامعة.
-وسائل الإعلام.
-الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني.
-الجماعات الترابية.
-الإدارات العمومية.
-الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون.
-المؤسسات الثقافية والدينية.
-القطاع الخاص من خلال مسؤوليته المجتمعية.
أما الدولة فتضطلع بدور التنسيق ووضع السياسات العمومية والتشريعات والبرامج الوطنية الكفيلة بترسيخ هذه الثقافة.
خامساً: هل يمكن تنزيل المشروع بشكل صحيح وسلس؟
من الناحية العملية نعم، لكنه يتطلب توفر مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها:
-وجود رؤية وطنية واضحة.
-استمرارية البرامج وعدم ارتباطها بحملات ظرفية.
-التنسيق بين مختلف القطاعات.
-توفير التمويل الكافي.
-اعتماد مؤشرات لقياس النتائج.
-إشراك المواطنين في صناعة الحلول.
أما إذا اقتصر المشروع على الشعارات دون ممارسات عملية، فمن الصعب تحقيق أثر مستدام.
سادساً: ما أبرز الموانع التي قد تعيق نجاح المشروع؟
هناك عدة تحديات يمكن أن تحد من فعالية المشروع، منها:
-ضعف الوعي المجتمعي.
-غياب القدوة في بعض المواقع.
-التفاوت في تطبيق القانون.
-التأثير السلبي لبعض المحتويات الرقمية التي تمجد الفوضى أو العنف.
-ضعف التنسيق بين المؤسسات.
-تراكم بعض السلوكيات السلبية وتحولها إلى عادات يصعب تغييرها بسرعة.
سابعاً: هل يمكن تطويع المجتمع على السلوك المدني؟
الإجابة نعم، لكن التطويع هنا لا يعني الإكراه، وإنما بناء قناعة جماعية بأن احترام القانون يخدم مصلحة الجميع.
وتؤكد تجارب العديد من الدول أن المجتمعات التي كانت تعاني من مظاهر الفوضى استطاعت، عبر التربية والتوعية والقدوة الحسنة والتطبيق العادل للقانون، أن تحقق تحولاً تدريجياً نحو ثقافة مدنية راسخة.
فالسلوك المدني ليس صفة فطرية يولد بها الإنسان، بل هو ثقافة مكتسبة تُبنى بالتربية والممارسة والتكرار، حتى تصبح جزءاً من الهوية المجتمعية.
مخرجات هذا البحث ، يمكن القول أن مشروع تعزيز السلوك المدني في المغرب ليس ترفاً فكرياً ولا مبادرة ظرفية، بل هو ركيزة أساسية لبناء دولة حديثة ومجتمع متماسك واقتصاد تنافسي، فكلما ارتفع منسوب احترام القانون والمصلحة العامة والمسؤولية المشتركة، ازدادت قدرة الوطن على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكمن فقط في تشييد البنيات التحتية، بل في بناء إنسان مدني مسؤول يدرك أن حماية الفضاء العام واحترام حقوق الآخرين واجب وطني قبل أن يكون التزاماً قانونياً.



