اخبار منوعة

الانتخابات اختبار للديمقراطية ومقياس للوعي السياسي بين المشاركة والعزوف

ذا عمرو العرباوي – مدير النشر

ليست الانتخابات مجرد موعد دوري تفتح خلاله صناديق الاقتراع، ولا هي مجرد منافسة بين مرشحين وأحزاب للفوز بالمقاعد؛ إنها، في جوهرها، اختبار ديمقراطي حقيقي ومقياس لدرجة الوعي السياسي داخل المجتمع، كما أنها لحظة تكشف طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن والمؤسسات السياسية، ومدى اقتناعه بأن صوته قادر على التأثير في صناعة القرار وتحديد اتجاهات المستقبل.

فالانتخابات تمنح المواطن فرصة نادرة للانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن مجرد انتقاد السياسات العمومية إلى المساهمة في اختيار من سيتولى مسؤولية تدبير الشأن العام وتمثيله داخل المؤسسات المنتخبة.

المشاركة السياسية أكثر من مجرد ورقة في صندوق الاقتراع

المشاركة في الانتخابات لا ينبغي اختزالها في مجرد التوجه إلى مكاتب التصويت، فهي تعبير عن وعي بالحقوق والواجبات، وإيمان بأهمية المشاركة في الحياة العامة، وإدراك بأن الديمقراطية لا يمكن أن تستقيم دون مواطنين فاعلين.

وعندما يشارك المواطن في الانتخابات، فإنه لا يمنح صوته فقط لمرشح أو حزب، وإنما يساهم في تحديد طبيعة النخب التي ستتولى تدبير الشأن العام، وفي رسم ملامح السياسات التي ستؤثر في حياته اليومية، سواء تعلق الأمر بالتعليم والصحة والشغل والاستثمار أو بالنقل والسكن والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية.

ومن هنا، فإن المشاركة الواعية تختلف جذرياً عن المشاركة المبنية على الولاء الشخصي أو القرابة أو المصلحة الظرفية أو التأثير المالي.

فالديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين دخلوا إلى مكاتب التصويت، وإنما أيضاً بطبيعة الاختيارات التي قاموا بها، ومدى استقلالها عن الإغراءات والضغوط، وقدرتهم على تقييم البرامج والكفاءات والإنجازات.

العزوف السياسي هل هو رفض للديمقراطية؟

في المقابل، أصبح العزوف عن المشاركة الانتخابية ظاهرة تستحق دراسة عميقة، لأن الامتناع عن التصويت قد يحمل رسائل سياسية واجتماعية متعددة.

فليس كل من يعزف عن الانتخابات شخصاً غير مبالٍ بالشأن العام، كما أن كل من يشارك في الانتخابات ليس بالضرورة واعياً سياسياً.

قد يكون العزوف نتيجة فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات، أو بسبب الاعتقاد بأن نتائج الانتخابات لن تغير شيئاً من الواقع المعيشي، أو نتيجة خيبة أمل تراكمت بفعل وعود انتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

وقد يكون العزوف أيضاً نتيجة ضعف التأطير السياسي، أو غياب التواصل الحقيقي بين النخب والمواطنين، أو شعور فئات واسعة بأن السياسيين لا يتذكرون المواطن إلا عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية.

وهنا يصبح العزوف رسالة سياسية صامتة ينبغي قراءتها بدل التعامل معها باعتبارها مجرد لامبالاة.

لكن العزوف ليس دائماً موقفاً واعياً

في المقابل، ينبغي الحذر من تحويل كل امتناع عن التصويت إلى موقف سياسي أو احتجاج ديمقراطي.

فقد يكون جزء من العزوف ناتجاً عن ضعف المعرفة السياسية، أو عدم الاهتمام بالشأن العام، أو غياب الثقافة الانتخابية، أو تأثير الخطاب الشعبوي الذي يختزل السياسة في الأشخاص بدل البرامج، أو حتى نتيجة اعتقاد خاطئ بأن الصوت الفردي لا قيمة له.

وهنا تظهر أهمية التربية على المواطنة والوعي السياسي، لأن المواطن الذي لا يعرف حقوقه السياسية ولا يفهم طبيعة المؤسسات التي يصوت لاختيارها، يصبح أكثر عرضة للتأثير والاستقطاب والوعود الانتخابية السهلة.

الانتخابات تكشف أيضاً مستوى النضج السياسي للنخب

إذا كانت الانتخابات اختباراً للناخب، فهي في الوقت نفسه اختبار للمرشح والحزب السياسي.

فالنضج الديمقراطي لا يظهر فقط في قدرة المرشح على الفوز، وإنما في طريقة خوضه المنافسة، واحترامه للمنافسين، والتزامه بالقانون، وتقديمه برنامجاً واقعياً قابلاً للتنفيذ، وقبوله بنتائج صناديق الاقتراع.

أما تحويل الانتخابات إلى ساحة للتشهير وتبادل الاتهامات واستعمال المال والنفوذ والوعود غير الواقعية، فإنه يضعف الثقة في العملية الانتخابية ويعمق الإحساس لدى المواطن بأن السياسة ليست سوى صراع على المواقع والمصالح.

لذلك فإن أخلاق الانتخابات لا تقل أهمية عن نتائج الانتخابات.

منطق “التصويت العقابي” وغياب الاختيار الإيجابي

في بعض الأحيان لا يصوت المواطن اقتناعاً ببرنامج معين، وإنما يصوت ضد مرشح أو حزب آخر.

وهذا ما يمكن تسميته بـ”التصويت العقابي”، وهو ظاهرة موجودة في العديد من الديمقراطيات، وقد تكون وسيلة مشروعة للتعبير عن عدم الرضا.

لكن الديمقراطية الأكثر نضجاً هي التي ينتقل فيها المواطن من سؤال: “من لا أريد؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “من أريد؟ ولماذا؟”

أي من التصويت العقابي إلى التصويت الواعي، ومن الاختيار المبني على رد الفعل إلى الاختيار المبني على البرنامج والكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

المال الانتخابي عندما يصبح الصوت سلعة

ومن أخطر ما يمكن أن يهدد الوظيفة الديمقراطية للانتخابات، تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة.

فعندما يصبح التصويت مرتبطاً بالمال أو الهدايا أو الوعود بالمنافع الشخصية، تفقد العملية الانتخابية جزءاً من جوهرها، لأن الناخب لا يعود يختار من يعتقد أنه الأفضل لتدبير الشأن العام، وإنما من يقدم له منفعة آنية.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسة قد تنتج علاقة غير صحية بين المنتخب والناخب، تقوم على منطق: “دفعتُ لأصل، وبالتالي عليّ أن أستعيد ما دفعته”.

وهنا يتحول المنصب الانتخابي من مسؤولية عمومية إلى استثمار شخصي، وهو ما يتعارض مع جوهر الديمقراطية ومبادئ الحكامة الجيدة.

هل ارتفاع نسبة المشاركة يعني بالضرورة ارتفاع الوعي السياسي؟

ليس بالضرورة.

ارتفاع نسبة المشاركة مؤشر إيجابي من حيث الانخراط في العملية الديمقراطية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على مستوى الوعي السياسي.

فقد تكون المشاركة مرتفعة، لكن الاختيارات الانتخابية مبنية على اعتبارات قبلية أو عائلية أو مصلحية أو مالية.

وفي المقابل، قد يكون انخفاض المشاركة ناتجاً عن أزمة ثقة حقيقية تدفع المواطن إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع احتجاجاً على أداء النخب السياسية.

لذلك، فإن نسبة المشاركة تحتاج دائماً إلى قراءة نوعية، لا قراءة رقمية فقط.

السؤال الحقيقي ليس: كم شخصاً صوت؟

بل: لماذا صوت هؤلاء؟ ولماذا لم يصوت الآخرون؟ وعلى أي أساس تم الاختيار؟

الانتخابات مرآة للمجتمع

الانتخابات في نهاية المطاف ليست سوى صورة مصغرة للمجتمع الذي تجري فيه.

فإذا كان المجتمع يتمتع بوعي سياسي مرتفع، فإن النقاش الانتخابي يميل إلى البرامج والسياسات والحلول والكفاءات.

أما إذا غلبت العلاقات الشخصية والانتماءات الضيقة والمصالح الآنية، فإن الانتخابات قد تتحول إلى مجرد منافسة على النفوذ.

ومن هنا، فإن إصلاح العملية الانتخابية لا يبدأ يوم الاقتراع، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، من المدرسة والأسرة والإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية.

الأحزاب أمام امتحان حقيقي

تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية مركزية في معالجة ظاهرة العزوف.

فالحزب الذي لا يتواصل مع المواطن إلا خلال الحملات الانتخابية، ولا يقدم خطاباً سياسياً مقنعاً، ولا يفتح أبوابه أمام الكفاءات والشباب، لا يمكنه أن يطالب المواطن بالثقة والمشاركة دون أن يقدم أسباباً حقيقية لهذه الثقة.

المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة على أساس الإنصات، والشفافية، والمصداقية، والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالسياسة ليست مهرجاناً انتخابياً موسمياً، وإنما ممارسة مستمرة تبدأ قبل الانتخابات وتستمر بعدها.

المواطن أيضاً أمام مسؤولية

لكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية العزوف سيكون تبسيطاً للمشكلة.

فالمواطن شريك أساسي في العملية الديمقراطية، وعليه أن يدرك أن الديمقراطية لا تعني فقط المطالبة بالحقوق، وإنما تعني أيضاً تحمل المسؤولية في اختيار من يمثله.

وإذا كان المواطن غير راضٍ عن أداء المنتخبين، فإن الحل لا يكمن دائماً في الابتعاد عن الانتخابات، لأن الفراغ الانتخابي لا يبقى فارغاً؛ بل قد يستفيد منه الأكثر تنظيماً والأكثر قدرة على التأثير.

ومن هنا، فإن المشاركة الواعية قد تكون أداة للتغيير، بينما العزوف غير الواعي قد يتحول، من حيث لا يريد صاحبه، إلى تنازل عن حق التأثير.

الخلاصة: الصندوق لا يكذب. لكنه يحتاج إلى قراءة

الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لبناء مؤسسات تحظى بالشرعية والثقة والقدرة على الإنجاز.

وكل استحقاق انتخابي يقدم للمجتمع فرصة لكي يسأل نفسه: أين وصلنا في مستوى الوعي السياسي؟ ولماذا يشارك المواطن؟ ولماذا يعزف؟ وما الذي يجعل البعض يختار على أساس البرنامج، بينما يختار آخرون على أساس الأشخاص أو المصالح؟

إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية التصويت، وإنما أيضاً بجودة الاختيار، ونزاهة المنافسة، ووعي الناخب، وكفاءة المرشح، واحترام نتائج الصندوق.

ولذلك، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تكون مجرد سباق نحو المقاعد، بل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتجديد النخب، والارتقاء بالنقاش السياسي من منطق الأشخاص إلى منطق البرامج، ومن منطق الوعود إلى منطق الالتزام والمحاسبة.

ففي النهاية، صندوق الاقتراع لا يختبر المرشحين وحدهم؛ إنه يختبر المجتمع بأكمله.

والسؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟

بل: أي وعي سياسي نريد أن ينتصر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى