اخبار منوعة

سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية في المغرب: ثورة تشريعية لتعزيز الأمن العقاري بين ضرورات الحماية وتحديات التطبيق

ذا عمرو العرباوي/ مدير النشر

يشهد قطاع العقار بالمغرب مرحلة جديدة من الإصلاح القانوني بعد دخول نظام سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ وفقا للقانون 31/18 ابتداء من فاتح يونيو 2026، في خطوة تروم إعادة تنظيم الوكالات الخاصة بالتصرفات العقارية وإخضاعها لرقابة قانونية أكثر صرامة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد إجراء إداري جديد، بل بتحول عميق في فلسفة حماية الملكية العقارية، بعدما أبانت الممارسة القضائية عن تنامي حالات التزوير واستعمال وكالات ملغاة أو منتهية أو مشوبة بعيوب قانونية للاستيلاء على عقارات الغير.

ما هو النظام الجديد؟

يقوم النظام الجديد على إلزامية تقييد جميع الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية العقارية داخل سجل خاص تم إحداثه بالمحاكم الابتدائية، بحيث تصبح الوكالة قابلة للتحقق من حيث وجودها وسريانها وحالتها القانونية قبل الاعتماد عليها في أي تصرف يتعلق بالبيع أو الشراء أو الرهن أو الهبة أو غيرها من التصرفات المنشئة أو الناقلة أو المعدلة للحقوق العينية.

ويأتي هذا الإجراء في إطار تفعيل مقتضيات القانون رقم 31.18 الذي عدل وتمم ظهير الالتزامات والعقود، بعد استكمال النصوص التنظيمية اللازمة للشروع في تنزيله على أرض الواقع.

لماذا كان هذا الإصلاح ضرورياً؟

عرف المغرب خلال السنوات الماضية ملفات عديدة ارتبطت بما اصطلح عليه إعلامياً بـ”مافيا العقار”، حيث استعملت في بعض الحالات وكالات مزورة أو وكالات تم إلغاؤها دون علم المتعاملين أو وكالات استمرت آثارها رغم وفاة الموكل أو تغيير إرادته.

كما واجه الموثقون والعدول والمحامون والمحافظون العقاريون صعوبة عملية في التأكد بشكل فوري من الوضعية القانونية للوكالة، وهو ما كان يفتح الباب أمام نزاعات قضائية معقدة تستغرق سنوات للفصل فيها.

ومن هنا جاء السجل الجديد ليخلق مرجعاً رسمياً موحداً يسمح بالتحقق من صحة الوكالة ومن استمرار مفعولها قبل ترتيب أي أثر قانوني عليها.

الأهداف الاستراتيجية للقانون

يسعى هذا الإصلاح إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الكبرى، من أهمها:

-حماية الملكية العقارية من التزوير والاستيلاء.
-تعزيز الأمن القانوني والتعاقدي في المعاملات العقارية.
-توفير وسيلة رسمية للتحقق من صلاحية الوكالات.
-تقليص حجم المنازعات القضائية المرتبطة بالتوكيلات.
-تعزيز الثقة لدى المستثمرين الوطنيين والأجانب.
-حماية مصالح أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج الذين يعتمدون بكثرة على الوكالات في تدبير ممتلكاتهم.
-رقمنة جزء مهم من المنظومة القانونية المرتبطة بالتصرفات العقارية.

انعكاساته على الاستثمار

من المنتظر أن ينعكس هذا النظام إيجابياً على مناخ الأعمال، إذ سيطمئن المستثمر إلى أن الوكيل الذي يتعامل معه يتوفر على وكالة صحيحة ومقيدة ويمكن التحقق منها بسهولة.

كما سيساهم في تقليص المخاطر القانونية التي كانت ترافق بعض عمليات البيع والشراء، وهو ما يرفع من مستوى الشفافية ويقوي جاذبية السوق العقارية المغربية.

الفوائد بالنسبة للمواطنين

بالنسبة للأفراد، يوفر النظام الجديد ضمانات إضافية أهمها:

-إمكانية تتبع الوضع القانوني للوكالة.
-الحد من استعمال الوكالات المزورة.
-تقليص احتمالات التصرف في العقار دون علم المالك الحقيقي.
-تسهيل إثبات صحة الوكالة أمام الجهات المختصة.
-تعزيز الحماية القضائية للحقوق العينية.

هل يقضي النظام الجديد نهائياً على الاحتيال العقاري؟

الإجابة هي لا:

فالقانون، مهما بلغت درجة إحكامه، لا يستطيع وحده القضاء على جميع أشكال الاحتيال، وإنما يرفع مستوى الحماية ويزيد من صعوبة ارتكاب الجريمة.

ولا يزال نجاح المنظومة رهيناً بفعالية المراقبة الإدارية، ويقظة المهنيين، وسرعة تبادل المعلومات بين المحاكم والمحافظة العقارية والجهات المختصة، إضافة إلى وعي المواطنين بأهمية تتبع أوضاع وكالاتهم.

احتمالات سوء الاستعمال

ورغم الأهداف النبيلة لهذا الإصلاح، فإن أي نظام قانوني قد يتعرض لسوء الاستعمال إذا غابت الرقابة الكافية.

ومن أبرز المخاطر المحتملة:

-استغلال بعض الوسطاء لجهل المواطنين بالإجراءات الجديدة وفرض مبالغ مالية غير مبررة مقابل القيام بالتسجيل.
-تقديم معلومات غير دقيقة عند إعداد الوكالة مما قد يؤدي إلى نزاعات لاحقة.
-استعمال النظام بطريقة تعرقل بعض المعاملات إذا حصلت أخطاء في التقييد أو التأشير.
-احتمال تأخير بعض الصفقات العقارية بسبب بطء الإجراءات أو الضغط الإداري في مرحلة التطبيق الأولى.
-استغلال الثقة الزائدة في التسجيل دون القيام بباقي عمليات التحقق القانونية المتعلقة بأهلية الأطراف أو وضعية العقار.

التحديات العملية

ينتظر الإدارة القضائية والمهنيين عدد من التحديات، من بينها:

-ضمان سرعة معالجة طلبات التقييد.
-توفير بنية رقمية مؤمنة ضد الاختراق.
-تكوين الموارد البشرية المكلفة بتدبير السجل.
-التنسيق المستمر مع المحافظة العقارية وباقي المتدخلين.
-تبسيط المساطر لفائدة المواطنين والجالية المغربية بالخارج.

آفاق المستقبل

إذا تم تنزيل هذا الإصلاح بكفاءة، فقد يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار تحديث المنظومة العقارية المغربية، وقد يفتح الباب مستقبلاً أمام رقمنة أشمل تشمل مختلف العقود والتصرفات ذات الصلة بالعقار، بما يعزز الشفافية ويقلص من المنازعات ويقوي ثقة المستثمرين والمتعاملين.

مخرجات هذا المقال ، يمثل سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية أحد أهم الإصلاحات القانونية التي عرفها القطاع العقاري المغربي في السنوات الأخيرة، فهو ليس مجرد إجراء شكلي، بل آلية مؤسساتية تهدف إلى تحصين الملكية الخاصة، وتجفيف منابع التزوير، وترسيخ الأمن التعاقدي، غير أن نجاحه الحقيقي سيظل رهيناً بحسن التطبيق، وتكامل الأدوار بين القضاء والمهنيين والإدارة، ووعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم، حتى يتحول من نص قانوني إلى ضمانة فعلية لحماية الثروة العقارية وتعزيز الثقة في المعاملات العقارية في اطار دولة الحق والقانون .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى