اخبار وطنية

الأزمات المتجددة تخيم على مستقبل العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي

برشيد:م.ع

ترى ليلى الرطيمات، أستاذة باحثة في العلاقات الدولية والقانون العام، أن الاتحاد الأوروبي مازال يرهن شراكته مع المغرب بإصدار القرارات أحادية الجانب، فقد ثبت من واقع الشراكة القائمة بين الجانبين لما يزيد عن ثلاثة عقود أنه بين الفينة والأخرى تثار أزمة بين الجانبين، لا تخدم المصالح الإستراتيجية للمغرب.

وتبعا لذلك، ترى الرطيمات في مقال لها حول مستقبل الوضع المتقدم للمغرب في الاتحاد الأوروبي أن السؤال سيظل يثار حول مدى أهمية هذا الوضع الممنوح للمملكة في علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، في ظل الأزمات المتجددة التي لا تخدم مصالحها الإستراتيجية؛ “بل تعمق الأزمة بين الجانبين، ليس فقط على مستوى التعاون السياسي والأمني وتنسيق الجهود لمناهضة الهجرة غير الشرعية، ولكن تطال جل مجالات الشراكة”.

وهذا نص المقال:

دخلت علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي في منعطف جديد بعد إصدار البرلمان الأوروبي قرارا الخميس (العاشر من يونيو2021) أعلن فيه “رفضه استخدام المغرب للمراقبة الحدودية والهجرة، وخصوصا القصر غير المرافقين، كآلية ضغط ضد الاتحاد الأوروبي”.

وجاء هذا القرار بعد تدفق أكثر من عشرة آلاف مهاجر من المغرب إلى ثغر سبتة، منتصف ماي الماضي، نتيجة تخفيف الرقابة على الحدود من الجانب المغربي؛ وذلك في سياق التوتر المغربي-الإسباني بعد “استقبال مدريد زعيم البوليساريو إبراهيم غالي لأجل العلاج”، وهو ما استنكره المغرب بشدة، إذ تم نقل التوتر المغربي-الإسباني من المستوى الثنائي بين دولتين إلى مستوى بين دولة وتكتل تجمعها معه شراكة إستراتيجية على عدة ملفات، من ضمنها التعاون والتنسيق لمناهضة الهجرة غير الشرعية.

فماذا عن تداعيات قرار البرلمان الأوروبي على مستقبل الشراكة الإستراتجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟

مضمون قرار البرلمان الأوروبي

تكتسي قضية الهجرة في علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي أهمية كبرى، لأنها من إحدى الملفات المحورية في علاقة الجوار بين الجانبين منذ إبرام اتفاق الشراكة سنة 1996، إلى حين تجسيد الوضع المتقدم للمغرب في علاقته بالاتحاد الأوروبي سنة 2008، وتعزيز هذه الشراكة في إطار اتفاق على تسهيل تنقل الأشخاص بين الجانبين سنة 2013.

غير أن توتر العلاقات المغربية الإسبانية ألقى بظلاله على الشراكة الإستراتجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، بعد ما صوت البرلمان الأوروبي على قرار بأغلبية 397 صوتا، اقترحه أعضاء إسبان، يدين المغرب في ما يتعلق بــ”استخدام ملف القاصرين” في أزمة الهجرة بثغر سبتة المحتلة.

وأشار مضمون القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي إلى ثلاث نقاط أساسية، يمكن أن تؤثر على مستقبل الوضع المتقدم للمغرب في علاقاته بالاتحاد الأوروبي، يمكن إجمالها في ما يلي:

تمت الإشارة في فقرة كاملة إلى أن سبتة المحتلة تمثل “حدودا خارجية للاتحاد الأوروبي”، وأنه لا يمكن التسامح مع “تقويض السيادة الإقليمية للدول الأعضاء”.

أشار القرار إلى “رفض استخدام المغرب ملف الهجرة، وعلى وجه الخصوص القصر غير المصحوبين بذويهم، كوسيلة لممارسة الضغط السياسي على دولة عضو في الاتحاد الأوروبي”.

تم التـأكيد على “موقف الاتحاد الأوروبي بشأن قضية الصحراء على أنها عملية سياسية تقودها الأمم المتحدة”.

ورغم أن القرار لا يعكس موقف الاتحاد الأوروبي ولا يكتسي طابعا تنفيذيا على باقي مؤسساته، إلا أنه مؤشر على توتر العلاقات بين الجانبين، من شأنه أن يدفع بالمغرب إلى إعادة صياغة علاقاته الإقليمية وفق ما يخدم مصالحه.

وهذا ما عكسه الرد الرسمي المغربي، في بيان لوزارة الخارجية، انتقد قرار البرلمان الأوروبي، وأكد أنه “يتنافى مع السجل النموذجي للمغرب في ما يتعلق بالتعاون في مجال الهجرة مع الاتحاد الأوروبي”؛ وكذلك مع “روح الشراكة بين الطرفين”، بل “يضعف مبدأ هذه الشراكة”. وأضاف البيان أن المغرب “ليس في حاجة إلى ضمانة في إدارته للهجرة” وأن “وضع الأستاذ والتلميذ لم يعد مقبولا”.

يظهر أن الجوار الجغرافي للمغرب بأوروبا هو مصدر توترات ترتبط بقضايا ترابية وأخرى اجتماعية واقتصادية تتعلق بالهجرة والتهريب، وغيرها من الملفات العالقة بين الجانبين؛ كما أن طبيعة الشراكة القائمة بين الجانين ترتهن في الكثير من جوانبها للظروف السياسية الإقليمية والدولية أكثر من ارتهانها إلى علاقات الجوار والمواثيق الناظمة لها.

تداعيات القرار

إن القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي يعد بمثابة تراجع عن الأهداف المحددة في إطار ما سميت “السياسة الأوروبية للجوار المتجددة”، التي جاءت تستجيب للمتغيرات الإقليمية التي عرفتها المنطقة العربية بعد سنة 2011، وتتضمن في إحدى جوانبها إيجاد الحلول لأزمة الهجرة والمهاجرين الوافدين من جنوب وشمال إفريقيا، وتمخض عنها سنة 2013 إبرام أولى اتفاقيات الجيل الجديد “الشراكة من أجل التنقل” مع المغرب، فضلا عن إبرام الاتفاق الفلاحي ودخوله حيز التنفيذ، وذلك في أفق بلوغ أحد رهانات الوضع المتقدم المتمثلة في تجسيد منطقة التبادل الحر الشاملة والمعمقة.

يبدو أن الاتحاد الأوروبي مازال يرهن شراكته مع المغرب بإصدار القرارات أحادية الجانب، فقد ثبت من واقع الشراكة القائمة بين الجانبين لما يزيد عن ثلاثة عقود أنه بين الفينة والأخرى تثار أزمة بين الجانبين، لا تخدم المصالح الإستراتيجية للمغرب.

وسبقت إصدار قرار البرلمان الأوروبي الأخير بعض القرارات المشابهة الصادرة عن مؤسسات الاتحاد بضغط من اللوبي الإسباني وأعداء الوحدة الترابية، أثرت في طبيعة الشراكة بين الجانبين؛ كالقرار الصادر عن محكمة العدل الأوروبية في 14 دجنبر 2015، الذي يقضي بإلغاء الاتفاق الفلاحي بسبب المواد الفلاحية القادمة من منطقة الصحراء، قبل أن يتم تصحيح الانحرافات القانونية من طرف محكمة العدل الأوروبية والحكم بسريان الاتفاق بين الجانبين. والأزمة نفسها تثار عند اقتراب الدخول في مفاوضات بين الجانين لتجديد اتفاق الصيد البحري.

وظل السؤال المثار عن مدى أهمية الوضع المتقدم الممنوح للمغرب في علاقاته بالاتحاد الأوروبي في ظل الأزمات المتجددة، التي لا تخدم المصالح الإستراتيجية للمغرب، بل تعمق الأزمة بين الجانبين، ليس فقط على مستوى التعاون السياسي والأمني وتنسيق الجهود لمناهضة الهجرة غير الشرعية، ولكن تطال جل مجالات الشراكة.

وإذا كانت سنوات التعاون الأمني بين المغرب والاتحاد الأوروبي أكدت أن المملكة باتت شريكا إستراتيجيا لأوروبا في صد مجموع الظواهر الأمنية التي تؤرق دولها، وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية، فإنها بالمقابل أبانت عن محدودية مكاسب المغرب من هذا التعاون، خاصة على مستوى مصالحه الحيوية.

يمكن القول إن قرار البرلمان الأوروبي الأخير سيعمق الأزمة بين الجانبين، خاصة بعد تضمينه فقرة كاملة تهم ثغر سبتة، أكد مضمونها أنها تمثل “حدودا خارجية للاتحاد الأوروبي”، و”حماية وأمن سبتة يهمان بشكل كامل الاتحاد الأوروبي”؛ ما يعتبر سابقة خطيرة في العلاقات بين الجانين، تضفي الشرعية على الاستعمار الإسباني لثغري سبتة ومليلية.

ويبدو من خلال جل القرارات المتخذة من طرف الجانب الأوروبي أن الممارسة الفعلية بين الجانبين تظهر تزايد الاختلالات، وبالتالي تزداد الهوة بين الطرفين ومن خلالها الهوة بين دول شمال وجنوب المتوسط.

إن أخطر ما في سياسة الاتحاد الأوروبي هو “ابتزاز دول الجنوب بالمساعدات الخاصة بالتنمية”. ويبقى التساؤل عن مفهوم “الشراكة” من زاوية نقد التصورات التي أطرت سياسة البلدان الأوروبية تجاه المغرب وباقي دول جنوب المتوسط، ما يأخذنا إلى إثارة نقطة على درجة بالغة من الأهمية، يتعلق الأمر بالتصورات الأمنية التي قاربت من خلالها دول الاتحاد الأوروبي قضايا الهجرة والعمالة الأجنبية، والهوية والتنوع الحضاري والثقافي، تبدو ضيقة لأن الاتحاد الأوروبي يربطها فقط بالمعالجة الأمنية وإغلاق الحدود والمزيد من الضغط على الجاليات المسلمة، وفرض الشروط والتأشيرات لمنع التحرك البشري نحو الضفة الشمالية؛ وذلك على حساب تحقيق الرهانات التنموية والمصالح الإستراتيجية للمغرب.

إن إكراهات الجوار والشراكة الإستراتيجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي تدعو الفاعلين الرسميين في الدبلوماسية المغربية، في ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، إلى ضرورة طرح ملف استكمال الوحدة الترابية بأكمله أمام المنتظم الدولي، بما فيه الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، وأيضا الثغور المحتلة من طرف إسبانيا، سبتة ومليلية والجزر المحاذية. فالأمر لم يعد يقبل التعاطي مع ملف الوحدة الوطنية بازدواجية في مواقف الاتحاد الأوروبي، لاسيما أن هذا الأخير له تعهدات سياسية وقانونية، تجارية واقتصادية في إطار الوضع المتقدم تضبط إجراءات الشراكة مع المغرب.

وإذا كان الموقف الرسمي للدبلوماسية المغربية في تعاطيه مع ملف الوحدة الترابية انتهج خيار الحل السلمي المتفاوض عليه، انسجاما مع محددات السياسة الخارجية المغربية، فإن هذا لا يعفي باقي الفاعلين من أحزاب وفعاليات المجتمع المدني ورجال الأعمال ومفكرين وباحثين، من المساهمة في الدفاع عن الوحدة الترابية، كل من موقعه وتخصصه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى